المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢١
فإنّما اغترارها من حيث أنّها ظنّت بالجدل أنّه أهمّ الأمور و أفضل القربات في دين اللَّه و زعمت أنّه لا يتمّ لأحد دينه ما لم يتفحّص و لم يبحث و إنّ من صدّق اللَّه و رسوله من غير بحث و تحرير دليل فليس بمؤمن و لا بكامل و لا مقرّب عند اللَّه فلهذا النظر الفاسد قطعت أعمارها في تعلّم الجدل و البحث عن المقالات و هذيانات المبتدعة و مناقضاتهم و أهمل نفسه و قلبه حتّى عمى عليه ذنوبه و خطاياه الظاهرة و الباطنة و هو يظنّ أنّ اشتغاله بالجدل أولى و أقرب عند اللَّه و أفضل و لكنّه لالتذاذه بالغلبة و الافحام و لذّة الرئاسة و عزّ الانتماء إلى الذّبّ عن دين اللَّه عميت بصيرته و لم يلتفت إلى القرن الأوّل و أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم شاهد لهم بأنّهم خير الخلق و أنّهم قد أدركوا كثيرا من أهل البدع و الأهواء فما جعلوا أعمارهم و دينهم غرضا للخصومات و المجادلات و ما اشتغلوا بذلك عن تفقّد قلوبهم و جوارحهم و أحوالهم، بل لم يتكلّموا فيه إلّا حيث رأوا حاجة و توسّموا مخايل قبول فذكروا بقدر الحاجة ما يدلّ الضالّ على ضلالته، و إذا رأوا مصرّا على ضلالة هجروه و أعرضوا عنه و أبغضوه في اللَّه و لم يلزموا الملاحاة معه طول العمر بل قالوا: إنّ الحقّ هو الدّعوة إلى السنّة و من السنّة ترك الجدال في الدّعوة إلى السنّة إذ روى أبو أمامة عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «ما ضلّ قوم قطّ بعد هدى إلّا أتوا الجدل و حرموا العمل» [١].
و خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يوما على أصحابه و هم يتجادلون و يختصمون فغضب عليهم حتّى كأنّه فقئ في وجهه حبّ الرمّان حمرة من الغضب فقال: «أ لهذا بعثتم أ بهذا أمرتم أن تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض؟ انظروا إلى ما أمرتم به فاعملوا و إلى ما نهيتم عنه فانتهوا» [٢].
فقد زجرهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم عن ذلك و كانوا أولى خلق اللَّه بالحجاج و الجدال،
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤٨ و رواه أحمد و الترمذي و الحاكم أيضا بسند حسن و قد تقدم.
[٢] أخرجه البزار و الطبراني في الكبير بأدنى تفاوت من حديث أبي سعيد بسند ضعيف و في الأوسط من حديث أنس و رجاله ثقات إثبات كما في مجمع الزوائد ج ١ ص ١٥٦.
المحجة