المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٣
الفتنة، فلمّا اشتغل به وجد الشيطان مجالا للفتنة فدعاه إلى الرّئاسة دعاء خفيّا أخفى من دبيب النمل لا يشعر به المريد، فلم يزل ذلك الدّبيب في قلبه حتّى دعاه إلى التصنّع و التزيّن للخلق بتحسين الألفاظ و النغمات و الحركات و التصنّع في الزّيّ و الهيئات، فأقبل النّاس إليه يعظّمونه و يبجّلونه و يوقّرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك إذا رأوه شافيا لأدوائهم بمحض الشفقة و الرّحمة من غير طمع فصار أحبّ إليهم من آبائهم و امّهاتهم و أقاربهم فآثروه بأبدانهم و أموالهم فصاروا له خولا كالخدم و العبيد، فخدموه و قدّموه في المحافل و حكموه على الملوك و السّلاطين، فعند ذلك انتشر الطبع و ارتاحت النفس و ذاقت لذّة يا لها من لذّة، و أصابت من الدّنيا شهوة يستحقر معها كلّ شهوة، و كان قد ترك الدّنيا فوقع في أعظم لذّاتها، و عند ذلك وجد الشيطان فرصة و امتدّت إلى قلبه يده فهو يستعمله في كلّ ما يحفظ عليه تلك اللّذّة، و أمارة انتشار الطبع و ركون النفس إلى الشيطان أنّه لو أخطأ فردّ عليه بين يدي الخلق غضب، فإذا أنكر على نفسه ما وجده من الغضب بادر الشيطان يخيّل إليه أنّ ذلك غضب للَّه لأنّه إذا لم يحسن اعتقاد المريدين فيه انقطعوا عن طريق اللَّه فوقع في الغرور، فربّما أخرجه ذلك إلى الوقيعة في من ردّ عليه فوقع في الغيبة المحظورة بعد تركه الحلال المتّسع و وقع في الكبر الّذي هو تمرّد عن قبول الحقّ و الشكر عليه بعد أن كان يحذر من طوارق الخطرات، و كذلك إذا سبقه الضحك، أو فتر عن بعض الأوراد جزعت النفس أن يطّلعوا عليه فيسقط قبوله أتبع ذلك باستغفار و تنفّس الصعداء، و ربّما زاد في الأعمال و الأوراد من أجلهم و الشيطان يخيّل إليه أنّك إنّما تفعل ذلك كيلا يفتر رأيهم عن طريق اللَّه، فيتركون الطريق بتركك لها، و إنّما ذلك خدعة و غرور بل هو جزع من النفس خيفة فوت الرّئاسة، و لذلك لا تأبى نفسه من اطّلاعهم على مثل ذلك من أقرانه بل ربّما يحبّ ذلك و يستبشر به و لو ظهر من أقرانه من مالت القلوب إلى قبوله و زاد أثر كلامه في القبول على كلامه شقّ ذلك عليه، و لو لا أنّ النفس قد استبشرت و استلذّت الرّئاسة لكان يغتنم ذلك إذ مثاله مثال من يرى جماعة من إخوانه
المحجة