المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٦
أنّ اللَّه كريم يقبل التوبة عن عباده و أنّ التوبة طاعة تكفّر الذّنوب قال تعالى:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ [١] أمرهم بالإنابة و قال: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [٢] فإذا توقّع المغفرة مع التوبة فهو راج و إن توقّع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور، كما أنّ من ضاق عليه وقت الجمعة و هو في السوق فخطر له أن يسعى إلى الجمعة فقال له الشيطان: إنّك لا تدرك الجمعة فأقم على موضعك فكذّب الشيطان و قام يعدو و هو يرجو إدراك الجمعة فهو راج و إن استمرّ على التجارة و أخذ يرجو تأخير الإمام الصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل غيره أو لسبب من الأسباب الّتي لا يعرفه فهو مغرور لا محالة.
و الثاني أن تفتر نفسه من فضائل الأعمال و يقتصر على الفرائض فيرجّى نفسه نعيم اللَّه تعالى و ما وعد اللَّه به الصالحين حتّى ينبعث من الرّجاء نشاط العبادة فيقبل على الفضائل و يتذكّر قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ- إلى قوله- أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [٣] فالرّجاء الأوّل يقمع القنوط المانع من التوبة و الرّجاء الثاني يقمع الفتور المانع من النشاط و التشمّر، فكلّ توقّع حثّ على توبة أو على تشمّر في العبادة فهو رجاء و كلّ توقّع أوجب فتورا في العبادة و ركونا إلى البطالة فهو غرّة كما إذا خطر له أن يترك الذنب و يشتغل بالعمل فيقول له الشيطان: مالك و إيذاء نفسك و تعذيبها و لك ربّ كريم غفور رحيم فيفتر به عن التوبة و العبادة فهي الغرّة و عند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف فيخوّف نفسه بغضب اللَّه و عظيم عقابه و يقول: إنّه مع أنّه غافر الذّنب و قابل التوب شديد العقاب. و إنّه مع أنّه كريم خلّد الكفار في النار أبد الآباد مع أنّه لم يضرّه كفرهم بل سلّط العذاب و المحن
[١] الزمر: ٥٣ و ٥٤.
[٢] طه: ٨٢.
[٣] المؤمنون ١ إلى ١٢.
المحجة