المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٧
كان السجود عندهم هو منتهى المذلّة و الضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم، و يزول به كبرهم، و يستقرّ التواضع في قلوبهم، و أمر به سائر الخلق فإنّ الرّكوع و السجود و المثول قائما هو العمل الّذي يقتضيه التواضع، فكذلك من عرف نفسه فلينظر كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتّى يصير التواضع له خلقا فإنّ القلوب لا تتخلّق بالأخلاق المحمودة إلّا بالعلم و العمل جميعا و ذلك لخفاء العلاقة بين القلب و الجوارح و سرّ الارتباط الّذي بين عالم الملك و عالم الملكوت، و القلب من عالم الملكوت.
المقام الثّاني فيما يعرض من التكبّر بالأسباب السبعة المذكورة،
و قد ذكرنا في كتاب ذمّ الجاه أنّ الكمال الحقيقيّ هو العلم و العمل فأمّا ما عداه ممّا يفنى بالموت فكمال و وهميّ فمن هذا يعسر على العالم أن لا يتكبّر و لكنّا نذكر طريق العلاج من العلم و العمل في جميع الأسباب السبعة.
السبب الأوّل: النسب
فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أمرين: أحدهما أنّ هذا جهل من حيث إنّه تعزّز بكمال غيره و لذلك قيل:
لئن فخرت بآباء ذوي شرف
لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا
فالمتكبّر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسّته بكمال غيره، بل لو كان الّذي ينتسب إليه حيّا لكان له أن يقول: الفضل لي و من أنت إنّما أنت دودة خلقت من بولي، أ فترى أنّ الدّودة الّتي خلقت من بول إنسان أشرف من الدّودة الّتي من بول فرس؟ هيهات بل هما متساويان و الشرف للإنسان لا للدّودة.
الثاني هو أن يعرف نسبه الحقيقيّ فيعرف أباه و جدّه، فإنّ أباه القريب نطفة قذرة و جدّه البعيد تراب ذليل و قد عرّفه اللَّه تعالى نسبه فقال: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» [١] فمن أصله من التّراب المهين الّذي يداس بالأقدام ثمّ خمّر طينه حتّى
[١] السجدة: ٧ و ٨ و المهين الضعيف و «نسله» أي ذريته بالنسل لأنها تنسل منه أي تنفصل.
المحجة