المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٩
القلوب و لذلك شبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حبّ الشرف و المال و إفسادهما للدّين بذئبين ضاريين و قال: «إنّه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل» [١] إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل و كلّ من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطرّ إلى النفاق معهم و إلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، و ذلك هو عين النفاق، فحبّ الجاه إذا من المهلكات فيجب علاجه و إزالته عن القلب فإنّه طبع جبل عليه القلب كما جبل على حبّ المال، و علاجه مركّب من علم و عمل، أمّا العلم فهو أن يعلم السبب الّذي لأجله أحبّ الجاه و هو كمال القدرة على أشخاص الناس و على قلوبهم، و قد بيّنّا أنّ ذلك إن صفا و سلم فآخره الموت، فليس من الباقيات الصالحات، بل لو سجد لك كلّ من على وجه الأرض من المشرق إلى المغرب و إلى خمسين سنة لا يبقى الساجد و لا المسجود له، و تكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له، فهذا لا ينبغي أن يترك به الدّين الّذي هو الحياة الأبديّة الّتي لا انقطاع لها، و من فهم الكمال الحقيقيّ و الكمال الوهميّ- كما سبق- صغر الجاه في عينه، إلّا أنّ ذلك إنّما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنّه يشاهدها و يستحقر العاجلة و يكون الموت كالحاصل عنده، و أبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتدّ نورها إلى مشاهدة العواقب و لذلك قال تعالى: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى» [٢] و قال تعالى: «كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ» [٣] إلى غيرها من الآيات، فمن هذا حدّه فينبغي أن يعالج قلبه في حبّ الجاه بالعلم بالآفات العاجلة و هو أن يتفكّر في الأخطار الّتي يستهدف لها أرباب الجاه في الدّنيا، فإنّ كلّ ذي جاه محسود و مقصود بالإيذاء و خائف على الدّوام على جاهه و محترز من أن تتغيّر منزلته في القلوب و القلوب أشدّ تغيّرا من القدر في غليانها و هي متردّدة بين الإقبال و الإعراض، فكلّ ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبني على أمواج البحر فإنّه لإثبات له، و الاشتغال
[١] تقدم آنفا.
[٢] الأعلى: ١٦.
[٣] القيامة: ٢٢ و ٢٣.
المحجة