المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٣
بهذه الظّنون يرى أنّه من الخائفين و هو آمن من مكر اللَّه، و يرى أنّه من الرّاجين و هو من المغترّين المضيّعين، و يرى أنّه من الرّاضين بقضاء اللَّه عزّ و جلّ و هو من الساخطين، و يرى أنّه من المتوكّلين على اللَّه و هو من المتّكلين على العزّ و الجاه و المال و الأسباب، و يرى أنّه من المخلصين و هو من المرائين، بل يصف الإخلاص فيترك الإخلاص في الوصف، و يصف الرّياء و يذكره و هو يرائي بذكره ليعتقد فيه أنّه لو لا أنّه مخلص لما اهتدى إلى دقائق الرّياء، و يصف الزهد في الدّنيا لشدّة حرصه على الدّنيا و قوّة رغبته فيها، فهو يظهر الدّعاء إلى اللَّه و هو منه فارّ، و يخوّف باللَّه و هو منه آمن، و يذكّر باللَّه و هو له ناس، و يقرّب إلى اللَّه و هو منه متباعد، و يحثّ على الإخلاص و هو غير مخلص، و يذمّ الصفات المذمومة و هو بها متّصف، و يصرف الناس عن الخلق و هو على الخلق أشدّهم حرصا، لو منع عن مجلسه الّذي يدعو فيه الناس إلى اللَّه تعالى لضاقت عليه الأرض بما رحبت[١]و يزعم أنّ غرضه إصلاح الخلق و لو ظهر من أقرانه من أقبل الخلق عليه و صلحوا على يديه لمات غمّا و حسدا، و لو أثنى أحد من المتردّدين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق اللَّه إليه، فهؤلاء أعظم الناس غرّة، و أبعدهم عن التنبّه و الرّجوع إلى السداد لأنّ المرغّب في الأخلاق المحمودة و المنفّر عن المذمومة هو العلم بغوائلها و فوائدها و هذا قد علم ذلك و لم ينفعه، و شغله حبّ دعوة الخلق عن العمل به فبعد ذلك بما ذا يعالج و كيف سبيل تخويفه نفسه و إنّما المخوّف ما يتلوه على عباد اللَّه فيخافون و هو ليس بخائف نعم لو ظنّ بنفسه أنّه موصوف بهذه الصفات المحمودة يمكن أن يدلّ على طريق الامتحان و التجربة و هو أنّه يدّعي مثلا حبّ اللَّه تعالى فما الّذي تركه من محابّ الدّنيا لأجله؟ و يدّعي الخوف فما الّذي امتنع منه بالخوف؟ و يدّعي
[١] اى بما اتسعت و الرحب: سعة المكان و منه رحبة المسجد، و رحبت الدار اتسعت، و استعير للواسع الجوف فقيل رحب البطن، و لواسع الصدر كما استعير الضيق لضده قال اللَّه تعالى: «وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» و يقال رحيب الفناء لمن كثرت غاشيته.
و قولهم مرحبا و أهلا اى وجدت مكانا رحبا. (قاله الراغب في مفرداته).
المحجة