المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٦
جبر الفرائض و تكفير السيّئات و لا يمكن ذلك إلّا بخلوص النوافل، و أمّا المتّقي فجهده في زيادة الدّرجات فإن حبط تطوّعه بقي من حسناته ما يترجّح به على سيّئاته فيدخل الجنّة.
فإذن ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطّلاع غير اللّه عليه لتصحّ نوافله، ثمّ يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حتّى لا يتحدّث به و لا يظهره، فإذا فعل جميع ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عمله خائفا أنّه ربّما داخله من الرّياء الخفيّ ما لم يقف عليه فيكون شاكّا في قبوله و ردّه، مجوّزا أن يكون اللّه قد أحصى عليه من نيّته الخفيّة ما مقته بها و ردّ عمله بسببها و يكون هذا الشكّ و الخوف في دوام عمله و بعده إلّا في ابتداء العقد، بل ينبغي أن يكون متيقّنا في الابتداء أنّه مخلص ما يريد بعمله إلّا اللّه حتّى يصحّ عمله فإذا شرع و مضت لحظة يمكن فيها الغفلة و النسيان كان الخوف من الغفلة عن شائبة خفيّة أحبطت عمله من رياء أو عجب أولى به، و لكن يكون رجاؤه أغلب من خوفه لأنّه استيقن أنّه دخل بالإخلاص و شكّ في أنّه هل أفسده برياء؟ فيكون رجاء القبول أغلب، و بذلك تعظم لذّته في المناجاة و الطاعات.
فالإخلاص: يقين، و الرّياء: شك. و خوفه لأجل ذلك الشكّ أجدر بأن يكفر خاطر الرّياء إن كان قد سبق و هو غافل عنه.
و الّذي يتقرّب إلى اللّه بالسعي في حوائج الناس و إفادة العلم ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط، و رجاء الثواب على عمل المتعلّم بعلمه فقطّ، دون شكر و مكافأة و حمد و ثناء من المتعلّم و المنعم عليه، فإنّ ذلك يحبط الأجر. فمهما توقّع من المتعلّم مساعدة في شغل و خدمة، أو مرافقة في المشي في الطريق ليستكثر باستتباعه، أو تردّدا منه في حاجته فقد أخذ أجره فلا ثواب له غيره، نعم إن لم يتوقّع هو و لم يقصد إلّا الثواب على عمله بعلمه الّذي علّمه ليكون له مثل أجره و لكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته، فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذا كان لا ينتظره و لا يريده منه و لا يستبعده منه لو قطعه، و مع هذا فقد كان العلماء يحذرون ذلك حتّى أنّ بعضهم وقع في بئر فجاء
المحجة