المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٢
علما، و كفى بالاغترار باللَّه جهلا».
فإذن الفقيه من فقه عن اللَّه أمره و نهيه و علم من صفاته ما أحبّه و ما كرهه، فهو العالم بالحقيقة «و من يرد اللَّه به خيرا يفقّهه في الدّين» فإذا لم يكن بهذا الصفة فهو من المغرورين.
و فرقة أخرى أحكموا العلم و العمل
فواظبوا على الطاعات الظاهرة و تركوا المعاصي إلّا أنّهم لم يتفقّدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات المذمومة عند اللَّه تعالى من الكبر و الحسد و الرّياء و طلب الرّئاسة و العلاء و إرادة السوء للأقران و النظراء و طلب الشهرة في البلاد و العباد و ربّما لم يعرف بعضهم أنّ ذلك مذموم فهو مكبّ عليها غير محترز عنها و لا يلتفت إلى قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «أدنى الرّياء شرك» [١] و إلى قوله: «لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر» [٢] و إلى قوله: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» [٣] و إلى قوله: «حبّ المال و الشرف ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» [٤] إلى غير ذلك من الأخبار الّتي أوردناها في جميع ربع المهلكات في الأخلاق المذمومة، فهؤلاء زيّنوا ظواهرهم و أهملوا بواطنهم و نسوا قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللَّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أموالكم و إنّما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم» [٥] فتعهّدوا الأعمال و ما تعهّدوا القلوب و القلب هو الأصل إذ لا ينجو إلّا من أتى اللَّه بقلب سليم، و مثال هؤلاء كبئر الحشّ ظاهرها جصّ و باطنها نتن، أو كقبور الموتى ظاهرها مزيّنة و باطنها جيفة، أو كبيت مظلم باطنه و وضع السراج على ظاهره حتّى استنار ظاهره و باطنه مظلم، أو كرجل قصد ضيافة الملك إلى داره فجصّص باب داره و ترك المزابل في صدر داره، و لا يخفى أنّ ذلك غرور بل أقرب مثال إليه رجل زرع زرعا فنبت و نبت معه حشيش يفسده فأمر
[١] تقدم في كتاب ذم الجاه و الرياء.
[٢] تقدم في كتاب الكبر و العجب.
[٣] تقدم في كتاب الغضب و الحقد و الحسد.
[٤] تقدم في كتاب ذم الدنيا.
[٥] تقدم في كتاب عجائب القلب ظاهرا.
المحجة