المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٢
فلان بسوء فهلك ولده و أخذ ماله أو مرض، و ما يجري مجراه هذا يدّعي الكرامة لنفسه، و أمّا مباهاته فهو أنّه لو وقع مع قوم يصلّون باللّيل قام و صلّى أكثر ممّا كان يصلّي، و إن كانوا يصبرون على الجوع فيكلّف نفسه الصبر ليغلبهم و يظهر لهم قوّته و عجزهم و كذلك يشتدّ في العبادة خوفا من أن يقال: غيره أعبد منه و أقوى منه في دين اللَّه، و أمّا العالم فإنّه يتفاخر و يقول: أنا متفنّن في العلوم و مطّلع على الحقائق رأيت من الشيوخ فلانا و فلانا، و من أنت؟ و ما فضلك و من لقيته و ما الّذي سمعت من الحديث؟ كلّ ذلك ليصغّره و يعظم نفسه، و أمّا مباهاته فهو أنّه يجتهد في المناظرة أن يغلب و لا يغلب و يسهر طول اللّيل و النهار في تحصيل علوم يتجمّل بها في المحافل كالمناظرة و الجدل و تحسين العبارة و تسجيع الألفاظ و حفظ العلوم الغريبة ليغرب بها عن الأقران و يتعظّم عليهم و يحفظ الأحاديث و ألفاظها و أسانيدها حتّى يرد على من أخطأ فيها فيظهر فضله و نقصان أقرانه و يفرح مهما أخطأ واحد منهم ليردّ عليه و يسوءه إذا أصاب و أحسن خيفة من أن يرى أنّه أحسن منه و أعظم منه فهذا كلّه أخلاق الكبر و آثاره الّتي يثمرها التعزّز بالعلم و العمل و أين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه، يا ليت شعري من عرف هذه الأخلاق من نفسه و سمع قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر» [١] كيف يستعظم نفسه و يتكبّر على غيره و رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يقول: هو من أهل النّار و إنّما العظيم من خلا عن هذا و من خلا عنه لم يكن فيه تعظّم و تكبّر، و العالم هو الّذي فهم أنّ اللَّه عزّ و جلّ قال له: إنّ لك عندنا قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عندنا، و من لم يعلم هذا من الدّين فاسم العالم عليه كذب و من علمه لزمه أن لا يتكبّر و لا يرى لنفسه قدرا فهذا هو التكبّر بالعلم و العمل.
الثالث التكبّر بالنسب و الحسب
فالّذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب و إن كان أرفع منه عملا و علما و قد يتكبّر بعضهم فيرى أنّ الناس له موال و عبيد و يأنف من مجالستهم و مخالطتهم و ثمرته على اللّسان التفاخر به فيقول
[١] تقدم أول هذا الكتاب.
المحجة