المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٩
الخلق، و من علامات الصدق فيه أنّه لو كان له صاحبان أحدهما غنيّ و الآخر فقير فلا يجد عند إقبال الغنيّ زيادة هزّة في نفسه لإكرامه إلّا إذا كان في الغنيّ زيادة علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له لذلك الوصف لا بالغنى، فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طمّاع و إلّا فالنظر إلى الفقراء يزيد في رغبة الآخرة و يحبّب إلى القلب المسكنة، و النظر إلى الأغنياء بخلافه، فكيف استروح إلى الغنيّ أكثر ممّا استروح إلى الفقير، نعم لك زيادة إكرام الغنيّ إذا كان أقرب إليك أو كان بينك و بينه حقّ و صداقة سابقة، و لكن يكون بحيث لو وجدت تلك العلاقة في فقير لكنت لا تقدّم الغنيّ عليه في إكرام و توقير البتّة، فإنّ الفقير أكرم على اللّه من الغنيّ، فإيثارك له لا يكون إلّا طمعا في غناه و رياء له، ثمّ إذا سوّيت بينهما في المجالسة فيخشى عليك أن تظهر الحكمة و الخشوع للغنيّ أكثر ممّا تظهره للفقير، و إنّما ذلك لرياء خفيّ أو طمع خفيّ كما قال ابن السماك لجارية له: مالي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة، قالت: الطمع يشحذ لسانك [١]. و قد صدقت فإنّ اللّسان ينطلق عند الغنيّ بما لا ينطلق به عند الفقير، و كذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضر عند الفقير، و مكايد النفس و خفاياها في هذا الفنّ لا تنحصر، و لا ينجيك منها إلّا بأن تخرج ما سوى اللّه من قلبك، و تتجرّد بالشفقة على نفسك بقيّة عمرك، و لا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغّصة في أيّام متقاربة منقضية، و تكون في الدّنيا كملك من ملوك الدّنيا قد أمكنته الشهوات و ساعدته اللّذّات، و لكن في بدنه سقم و هو يخاف الهلاك على نفسه في كلّ ساعة لو اتّسع في الشهوات و علم أنّه لو احتمى و جاهد شهوته عاش و دام ملكه، فلمّا عرف ذلك جالس الأطبّاء و حارف الصيادلة، و عوّد نفسه شرب الأدوية المرّة فصبر على بشاعتها [٢] و هجر جميع اللّذّات و صبر على مفارقتها، فبدنه كلّ يوم يزداد نحو لا لقلّة أكله، و لكن سقمه كلّ يوم يزداد نقصانا لكثرة
[١] شحذ السكين و نحوه: أحده.
[٢] البشع: المر.
المحجة