المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٥
لم يحبّ الناس الدّنيا لهلك العالم و بطلت المعايش و هلكت القلوب و الأبدان جميعا، إلّا أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم علم أنّ حبّ الدّنيا مهلك و أنّ ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحبّ من قلوب الأكثرين لا الأقلّين الّذين لا تخرب الدّنيا بتركهم فلم يترك النصح و ذكر ما في حبّ الدّنيا من الخطر و لم يترك ذكره خوفا من أن يترك نفسه بالشهوات الّتي سلّطت على الناس. فكذلك لا تزال ألسنة الوعّاظ مطلقة بحبّ الرئاسة و لا يدعونها بقول من يقول إنّ الوعظ لحبّ الرئاسة حرام كما لا يدع الخلق الشراب و الزنى و السرقة و الرّياء و الظلم و سائر المعاصي بقول اللَّه و بقول رسوله أنّ ذلك حرام، فانظر إلى نفسك و كن فارغ القلب عن حديث الناس فإنّ اللَّه يصلح خلقا كثيرا بإفساد شخص واحد و أشخاص «وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» [١]، فإنّ اللَّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر و أقوام لا خلاق لهم في الآخرة [٢] فإنّما يخشى أن ينسدّ باب طريق الاتّعاظ فأمّا أن تخرس ألسنة الوعّاظ و وراءهم باعث الرئاسة و حبّ الدّنيا فلا يكون ذلك أبدا.
فإن قلت: فإن علم المريد هذه المكيدة من الشيطان فاشتغل بنفسه و ترك النصح أو نصح و راعى شرط الصدق و الإخلاص فيه فما الّذي يخاف عليه؟ و ما الّذي بقي بين يديه من الأخطار و حبائل الاغترار؟
فاعلم أنّه بقي عليه أعظمها و هو أنّ الشيطان يقول له: قد أعجزتني و أفلتّ منّي بذكائك و كمال عقلك، و قد قدرت على جملة من الأولياء و الكبراء و ما قدرت عليك، فما أصبرك و ما أعظم عند اللَّه محلّك إذ قوّاك على قهري و مكّنك من التفطّن لجميع مداخل غروري فيصغى إليه و يصدّقه و يعجب بنفسه في فراره من الغرور كلّه فيكون إعجابه بنفسه غاية الغرور و هو المهلك الأكبر فالعجب أعظم من كلّ ذنب، فلذلك قال الشيطان: يا ابن آدم إذا ظننت أنّك بعلمك تخلّصت منّي فبجهلك قد وقعت في حبائلي.
[١] البقرة: ٢٥١.
[٢] تقدم حديثه كرارا عن أبي عوانة و البخاري و غيره.
المحجة