المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٠
في بيتك من الخدمة ما كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يعالج في بيته كان يعلف الناضح، و يعقل البعير، و يقم البيت، و يحلب الشاة و يخصف النعل، و يرقّع الثوب، و يأكل مع خادمه، و يطحن عنه إذا أعيا، و يشتري الشيء من السوق و لا يمنعه الحياء أن يعلّقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه فينقلب إلى أهله، يصافح الغنيّ و الفقير و الصغير و الكبير و يسلّم مبتدئا على كلّ من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حرّ أو عبد من أهل الصلاة، ليست له حلّة لمدخله و حلّة لمخرجه، لا يستحي من أن يجيب إذا دعي و إن كان أشعث أغبر، و لا يحقر ما دعي إليه و إن لم يجد إلّا حشف الدّقل، لا يرفع غداء لعشاء و لا عشاء لغداء، هيّن المئونة لين الخلق كريم الطبيعة، جميل المعاشرة طليق الوجه، بسّاما من غير ضحك محزونا من غير عبوس، شديدا في غير عنف، متواضعا في غير مذلّة، جوادا من غير سرف، رحيما بكلّ ذي قربى، قريبا من كلّ ذمّي و مسلم، رقيق القلب، دائم الإطراق، لم يبشم قطّ من شبع، و لا يمدّ يده إلى طمع، قال أبو سلمة: قد خلت على عائشة فحدّثتها كلّ هذا عن أبي سعيد، فقالت: ما أخطأ منه حرفا و لقد قصر إذ ما أخبرك أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لم يمتلي قطّ شبعا و لم يبثّ إلى أحد شكوى و أن كانت الفاقة أحبّ إليه من اليسار و الغنى و أن كان ليظلّ جائعا يلتوي ليلته حتّى يصبح فما يمنعه ذلك عن صيام يومه و لو شاء أن يسأل ربّه فيؤتى بكنوز الأرض و ثمارها و رغد عيشها من مشارقها و مغاربها لفعل، و ربّما بكيت رحمة له ممّا أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي فأقول: نفسي لك الفداء لو تبلّغت من الدّنيا بقدر ما يقوتك و يمنعك من الجوع؟ فيقول: يا عائشة إخواني من أولى العزم من الرّسل قد صبروا على ما هو أشدّ من هذا فمضوا على حالهم و قدموا على ربّهم فأكرم مآبهم و أجزل ثوابهم فأجدني أستحي أن ترفّهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فأصبر أيّاما يسيرة أحبّ إليّ من أن ينقص حظّي غدا في الآخرة، و ما من شيء أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني و أخلاّئي، فقالت عائشة: فو اللَّه ما استكمل بعد ذلك جمعة حتّى قبضه اللَّه تعالى»[١].
[١] قال العراقي: لم أقف له على اسناد. أقول: يوجد بعض فصوله في الاخبار متفرقا عن غير أبي سلمة راجع المجلد الرابع و سنن ابن ماجه كتاب الزهد و مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٣١٢.
المحجة البيضاء جلد٦ ٢٥١ (بيان أخلاق المتواضعين و مجامع ما يظهر فيه أثر التواضع و التكبر) ..... ص : ٢٤٦
المحجة