المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٣
بتنقية الزّرع عن الحشيش بقلعه من أصله فأخذ يجزّ رأسه و أطرافه فلا يزال يقوى أصله و ينبت، لأنّ مغارس المعاصي هي الأخلاق الذميمة في القلب فمن لا يطهّر القلب منها لم تتمّ له الطاعات الظاهرة إلّا مع الآفات الكثيرة بل هو كمريض ظهر به الجرب و قد امر بالطلاء و شرب الدّواء، فالطلاء ليزيل ما على ظهره و الدّواء ليقلع مادّته من باطنه فقنع بالطلاء و ترك الدّواء و بقي يتناول ما يزيد في المادّة فلا يزال يطلي الظاهر و الجرب دائم به يتفجّر من المادّة الّتي في الباطن.
و فرقة أخرى علموا هذه الأخلاق الباطنة،
و علموا أنّها مذمومة من جهة الشرع إلّا أنّهم لعجبهم بأنفسهم يظنّون أنّهم منفكّون عنها و أنّهم أرفع عند اللَّه من أن يبتليهم بذلك و إنّما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم، فأمّا هو فأعظم عند اللَّه من أن يبتليه، ثمّ إذا ظهر عليه مخايل الكبر و الرئاسة و طلب العلوّ و الشرف قال: ما هذا كبر و إنّما هذا طلب عزّ الدّين و إظهار شرف العلم و نصرة دين اللَّه و إرغام أنف المخالفين من المبتدعين. فإنّي لو لبست الدّون من الثياب و جلست في الدّون من المجالس لشتمت بي أعداء الدّين و فرحوا به و كان ذلّي ذلّا على الإسلام و نسي المغرور أنّ عدوّه الّذي حذّره مولاه منه هو الشيطان و أنّه يفرح بما يفعله و يسخر به، و نسي أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بما ذا نصر الدّين و بما ذا أرغم الكافرين، و نسي ما روي عن السلف من التواضع و التبذّل و القناعة بالفقر و المسكنة حتّى عوتب بعضهم في بذاذة زيّه فقال: إنّا قوم أعزّنا اللَّه بالإسلام فلا نطلب العزّ في غيره. ثمّ هذا المغرور يطلب عزّ الدّين بالثياب الرّقيقة من القصب الدّيبقي و الإبريسم المحرم و الخيول و المراكب و يزعم أنّه يطلب به عزّ الدّين و شرف العلم و كذلك مهما أطلق اللّسان بحسد في أقرانه أو في من ردّ عليه شيئا من كلامه لم يظنّ بنفسه أنّ ذلك حسد و لكن قال: إنّما هذا غضب للحقّ و ردّ على المبطل في عدوانه و ظلمه. و لم يظنّ بنفسه أنّ ذلك من الحسد حتّى يعتقد أنّه لو طعن في غيره من أهل العلم أو منع غيره من رئاسة و زوحم فيها هل كان غضبه و عداوته مثل غضبه الآن فيكون غضبه للَّه أم لا يغضب مهما طعن في عالم آخر و منع
المحجة