المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٧
و يكاد يظنّ أنّ ذلك جهل فإنّه حبّ لما لا فائدة فيه لا في الدّنيا و لا في الآخرة.
فنقول: نعم هذا الحبّ لا ينفكّ عنه القلوب و له سببان أحدهما جليّ تدركه الكافّة و الآخر خفيّ و هو أعظم السببين و لكنّه أدقّهما و أخفاهما و أبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلا عن الأغبياء و ذلك لاستمداده من عرق خفيّ في النفس و طبيعة مستكنّة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلّا الغوّاصون، فأمّا السبب الأوّل فهو دفع ألم الخوف لأنّ الشفيق بسوء الظنّ مولع و الإنسان و إن كان مكتفيا في الحال فإنّه طويل الأمل و يخطر بباله أنّ المال الّذي فيه كفايته ربّما يتلف فيحتاج إلى غيره فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه و لا يدفع ألم الخوف إلّا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة فهو أبدا لشفقّته على نفسه و حبّه للحياة يقدّر طول الحياة و يقدّر هجوم الحاجات و يقدّر إمكان تطرّق الآفات إلى الأموال و يستشعر الخوف من ذلك فيطلب ما يدفع خوفه و هو كثرة المال حتّى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالاخرى و هذا خوف لا يوقف له عند مقدار مخصوص من المال فلذلك لم يكن لميله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدّنيا و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «منهومان لا يشبعان منهوم العلم و منهوم المال» [١] و مثل هذه العلّة تطّرد في حبّه قيام المنزلة و الجاه في قلوب الأباعد عن وطنه و بلده فإنّه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه و يحتاج إلى الاستعانة بهم و مهما كان ذلك ممكنا و لم يكن احتياجه إليهم مستحيلا إحالة ظاهرة كان للنفس فرح و لذّة بقيام الجاه في قلوبهم لما فيه من الأمن من هذا الخوف، و أمّا السبب الثاني و هو الأقوى أنّ الرّوح أمر ربّانيّ وصفه اللّه تعالى إذ قال: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [٢] و معنى كونه ربّانيّا من أسرار علوم المكاشفة و لا رخصة في إظهاره إذ لم يظهره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكنّك قبل معرفة ذلك تعلم أنّ للقلب ميلا إلى صفات بهيمية كالأكل و الوقاع، و إلى
[١] أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس و قد تقدم في العلم.
[٢] الاسراء: ٨٨.
المحجة