المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٥
المعيشة مع الخلق، و الإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحبّ الطعام أو المال الّذي يبتاع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، و رفيق يعينه، و أستاذ يرشده، و سلطان يحرسه و يدفع عنه ظلم الأشرار، فحبّه لأن يكون له في قلب خادمه من المحلّ ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، و حبّه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحلّ ما يحسن به مرافقته و معاونته ليس بمذموم، و حبّه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحلّ ما يحسن به إرشاده و تعليمه و العناية به ليس بمذموم، و حبّه لأن يكون له من المحلّ في قلب سلطانه ما يحثّه ذلك على دفع الشرّ عنه ليس بمذموم، فإنّ الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال فلا فرق بينهما إلّا أنّ التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال و الجاه في أعيانهما محبوبين بل ينزل ذلك منزلة حبّ الإنسان أن يكون في داره بيت ماء لأنّه يضطرّ إليه لقضاء حاجته و يؤدّ أن لو استغنى عن قضاء الحاجة حتّى يستغني عن بيت الماء و هذا على التحقيق ليس محبّا لبيت الماء فكلّ ما يراد به للتوصّل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوصّل إليه، و تدرك التفرقة بمثال و هو أنّ الرّجل قد يحبّ زوجته من حيث إنّه يدفع بها فضلة الشهوة كما يدفع ببيت الماء فضلة الطعام و لو كفي مئونة الشهوة لكان يهجر زوجته كما لو كفي قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء و لا يدور به، و قد يحبّ زوجته لذاتها حبّ العشّاق و لو كفي الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها، فهذا هو الحبّ دون الأوّل، و كذلك الجاه و المال قد يحبّ كل واحد منهما على هذين الوجهين فحبّهما لأجل التوصّل إلى مهمّات البدن غير مذموم و حبّهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن و حاجته مذموم و لكنّه لا يوصف صاحبه بالفسق و العصيان ما لم يحمله الحبّ على مباشرة معصية و ما لم يتوصّل به إلى اكتسابه بكذب و خداع و ارتكاب محظور، و ما لم يتوصّل إلى اكتسابه بعبادة، فإنّ التوصّل إلى المال و الجاه بالعبادة جناية على الدّين و هو حرام و إليه يرجع معنى الرّياء المحظور كما سيأتي.
فإن قلت: طلب الجاه و المنزلة في قلب استاده و خادمه و رفيقه و سلطانه
المحجة