المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٢
ثمّ إنّهم رأوا النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و قد بعث إلى كافّة أهل الملل فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام و إفحام و تحقّق حجّة و دفع سؤال و إيراد إلزام، فما جادلهم إلّا بتلاوة القرآن المنزل عليهم و لم يزد في المجادلة عليه لأنّ ذلك يشوّش القلوب و يستخرج منها الإشكالات و الشبه، ثمّ لا يقدر على محوها من قلوبهم و ما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقييسات و دقائق الأقيسة و لم يعلّم أصحابه كيفيّة الجدل و الإلزام.
و لكنّ الأكياس و أهل الحزم لم يغترّوا بهذا و قالوا: لو نجا أهل الأرض و هلكنا لم تنفعنا نجاتهم، و لو نجونا و هلكوا لم يضرّنا هلاكهم، و ليس علينا في المجادلة أكثر ممّا كان على الصحابة مع اليهود و النصارى و أهل الملل، و ما ضيّعوا العمر بتحرير مجادلتهم فما لنا نضيّع العمر و لا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا و فاقتنا و لم نخوض فيما لا نأمن على أنفسنا الخطأ في تفاصيله ثمّ نرى أنّ المبتدع ليس يترك بدعته بجدالنا بل يزيده التعصّب و الخصومة تشدّدا في بدعته فاشتغالي بمخاصمة نفسي و مجاهدتها و مجادلتها لتترك الدّنيا للآخرة أولى، هذا لو كنت لم انه عن الجدل و الخصومة فكيف و قد نهيت عنه فكيف أدعو إلى السنّة بترك السنّة فالأولى لي أن أتفقّد نفسي و أنظر من صفاتها ما يبغضه اللَّه تعالى لأتنزّه عمّا يبغضه و أتمسّك بما يحبّه.
و فرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ
و أعلاهم رتبة من يتكلّم في أخلاق النفس و صفات القلب من الخوف و الرّجاء و الصبر و الشكر و التوكّل و الزّهد و اليقين و الإخلاص و الصدق و نظائره، و هم مغرورون يظنّون بأنفسهم أنّهم إذا تكلّموا بهذه الصفات و دعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات و هم منفكّون عنها عند اللَّه إلّا عن قدر يسير لا ينفكّ عنه عوام المسلمين، و غرور هؤلاء أشدّ الغرور لأنّهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب و يظنّون أنّهم ما تبحّروا في علم المحبّة إلّا و هم محبّون للَّه و ما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلّا و هم مخلصون و ما وقفوا على خفايا عيوب النفس إلّا و هم عنها منزّهون و لو لا أنّه مقرّب عند اللَّه لما عرّفه معنى القرب و البعد و علم السلوك إلى اللَّه و كيفيّة قطع المنازل في طريق اللَّه، فالمسكين
المحجة