المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٢
(بيان الرّياء الخفي الّذي هو أخفى من دبيب النّمل)
اعلم أنّ الرّياء جليّ و خفيّ، فالجليّ هو الّذي يبعث على العمل و يحمل عليه لو لا قصد الثواب، و هو أجلاه، و أخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرّده إلّا أنّه يخفّف العمل الّذي أريد به وجه اللّه كالّذي يعتاد التهجّد كلّ ليلة و يثقل عليه فإذا دخل عليه الضيفان نشط له و خفّ عليه و علم أنّه لو لا رجاء الثواب لكان لا يصلّي لمجرّد رياء الضيفان و أخفى من ذلك ما لا يؤثّر في العمل و لا بالتسهيل و التخفيف أيضا و لكنّه مع ذلك مستبطن في القلب و مهما لم يؤثّر في الدّعاء إلى العمل لم يمكن أن يعرف إلّا بالعلامات و أجلى علاماته أن يسرّ باطّلاع الناس على طاعته، فربّ عبد مخلص في عمله لا يعتقد الرّياء بل يكرهه و يردّه و يتمّم العمل كذلك و لكنّ إذا اطّلع عليه الناس سرّه ذلك و ارتاح له و روّح ذلك عن قلبه شدّة العبادة، و هذا السرور يدلّ على رياء خفيّ منه يترشّح السّرور، و لو لا التفات القلب إلى الناس لما ظهر سروره عند اطّلاع الناس، فلقد كان الرّياء مستكنّا في القلب استكنان النّار في الحجر فأظهر منه اطّلاع الخلق أثر الفرح و السرور، ثمّ إذا استشعر لذّة السرور بالاطّلاع و لم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا و غذاء للعرق الخفيّ من الرّياء حتّى يتحرّك على نفسه حركة خفيّة فيتقاضى تقاضيا خفيّا أن يتكلّف سببا يطّلع عليه بالتعريض و إلقاء الكلام عرضا، و إن كان لا يدعو إلى التصريح. و قد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضا و تصريحا و لكن بالشمائل كإظهار النحول و الصفار و خفض الصوت و يبس الشفتين و جفاف الرّيق و آثار الدّموع و غلبة النعاس الدّال على طول التهجّد، و أخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطّلاع و لا يسرّ بظهور طاعته، و لكنّه مع ذلك إذا رأى الناس أحبّ أن يبدءوه بالسلام، و أن يقابلوه بالبشاشة و التوقير، و أن يثنوا عليه، و أن ينشطوا في قضاء حوائجه، و أن يسامحوه في البيع و الشراء، و أن يوسّعوا له في المكان، و إن قصّر فيه مقصّر ثقل على قلبه و وجد لذلك استبعادا في نفسه كأنّ نفسه يتقاضى الاحترام على الطّاعة الّتي أخفاها مع أنّه لم يطّلع عليه و لو لم يكن قد سبقت منه تلك الطاعة
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ١٦٣
لما كان يستبعد تقصير الناس في حقّه، و مهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كلّ ما يتعلّق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم اللّه تعالى، و لم يكن خاليا عن شوب خفيّ من الرّياء أخفى من دبيب النمل و كلّ ذلك يوشك أن يحبط الأجر و لا يسلم منه إلّا الصّدّيقون. و قد روي عن عليّ عليه السّلام أنّه قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول للقرّاء يوم القيامة [١]: ألم يكن يرخّص عليكم السعر؟ ألم تكونوا تبتدءون بالسلام؟ ألم تكن تقضى لكم الحوائج». و في الحديث الآخر- «لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم».
و قال عبد اللّه بن المبارك: روي عن وهب أنّه قال: إنّ رجلا من السوّاح قال لأصحابه: إنّا إنّما فارقنا الأموال و الأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر ممّا دخل على أهل الأموال في أموالهم إنّ أحدنا إذا لقي أحبّ أن يعظّم لمكان دينه، و إن اشترى شيئا أحبّ أن يرخّص عليه لمكان دينه، و إن سأل حاجة أحبّ أن تقضى له لمكان دينه. فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكبه من الناس فإذا السهل و الجبل قد امتلأ بالناس، فقال السائح: ما هذا قيل: هذا الملك قد أظلّك، فقال للغلام: ائتني بطعام فأتاه ببقل و زيت و قلوب الشجر فجعل يحشو شدقه و يأكل أكلا عنيفا، فقال الملك: أين صاحبكم، قالوا: هذا قال: كيف أنت؟ قال: كالناس- و في حديث آخر-: بخير، فقال الملك: ما عند هذا من خير، فانصرف عنه. و قال السّائح: الحمد للَّه الّذي صرفك عنّي و أنت لي ذامّ.
فلم يزل المخلصون خائفين من الرّياء الخفي يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصّالحة يحرصون على إخفائها أعظم ممّا يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كلّ ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم فيجازيهم اللّه في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق إذ علموا أنّ اللّه لا يقبل في القيامة إلّا الخالص و علموا شدّة حاجتهم و فاقتهم في القيامة و أنّه يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون، و لا يجزي والد عن ولده، و يشتغل الصدّيقون بأنفسهم فيقول كلّ واحد: نفسي نفسي، فضلا عن غيرهم فكانوا كزوار بيت اللّه إذا توجّهوا إلى مكّة فإنّهم يستصحبون مع أنفسهم الذّهب المغربي الخالص
[١] في بعض النسخ [للفقراء يوم القيامة].
المحجة