المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٥
فكما أنّ معرفة اطّلاع الناس تثير شهوة و رغبة في الرّياء، فمعرفة آفة الرّياء أيضا تثير كراهة له تقابل تلك الشهوة إذ يتفكّر في تعرّضه لمقت اللّه و عقابه الأليم و الشّهوة تدعوه إلى القبول، و الكراهة تدعوه إلى الإباء، و النفس تطاوع لا محالة أقواهما و أغلبهما، فإذن لا بدّ في ردّ الرّياء من ثلاثة أمور: المعرفة، و الكراهة، و الإباء، و قد يشرع العبد في العبادة على عزم الإخلاص ثمّ يرد خاطر الرّياء فيقبله و لا تحضره المعرفة و لا الكراهة الّتي كان الضمير منطويا عليها و إنّما سبب ذلك امتلاء القلب بخوف الذّمّ و حبّ الحمد و استيلاء الحرص عليه بحيث لا يبقى في القلب متّسع لغيره فيعزب عن القلب المعرفة السابقة بآفات الرّياء و شؤم عاقبته إذ لم يبق موضع في القلب خال عن شهوة الحمد أو خوف الذّمّ و هو كالّذي يحدّث نفسه بالحلم و ذمّ الغضب و يعزم على التحلّم عند جريان سبب الغضب، ثمّ يجري من الأسباب ما يشتدّ به غضبه فينسى سابق عزمه و يمتلي قلبه غيظا يمنع من تذكّر آفة الغضب و يشتغل عنه فكذلك حلاوة الشهوة تملأ القلب و تدفع نور المعرفة مثل مرارة الغضب و إليه أشار جابر بقوله: «بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تحت الشجرة على أن لا نفرّ و لم نبايعه على الموت فأنسيناها يوم حنين حتّى نودي يا أصحاب الشجرة فرجعوا»[١]و ذلك لأنّ القلوب امتلأت بالخوف فنسيت العهد السابق حتّى ذكروا، و أكثر الشهوات الّتي تهجم فجأة هكذا تكون إذ تنسى معرفة مضرّته الدّاخلة في عقد الإيمان، و مهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة فإنّ الكراهة ثمرة المعرفة و قد يتذكّر فيعلم أنّ الّذي خطر له هو خاطر الرّياء الّذي يعرضه لسخط اللّه و لكن يستمرّ عليه لشدّة شهوته فيغلب هواه عقله و لا يقدر على ترك لذّة الحال، فيسوّف بالتوبة أو يتشاغل عن التفكّر في ذلك لشدّة الشهوة، و كم من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى ذكره إلّا رياء الخلق و هو يعلم ذلك و لكنّه يستمرّ عليه فتكون عليه الحجّة أوكد إذ قبل داعي الرّياء مع علمه بغائلته و كونه مذموما
[١] أخرجه النسائي ج ٧ ص ١٤٠ دون قوله: «فأنسيناه يوم حنين إلخ» فرواه مسلم ج ٥ ص ١٦٧.
المحجة