المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦
نهشته الحيّات و تفرّقوا كالجيف المنتنة و أمّا من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الأزهار و الأحجار المزبرجة فقد استرقّته و شغله الحزن بحفظها و الخوف من فوتها، و قد ضيّق عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار و كمدت ألوان الأحجار و ظهر نتن رائحتها فصار مع كونه مضيّقا عليه متأذّيا بنتنها و وحشتها فلم يجد حيلة إلّا أن ألقاها في البحر، هاربا منها و قد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلّا بعد أن ظهرت عليه من الأسقام بتلك الرّوائح فبلغ سقيما مدنّفا. و من رجع قريبا ما فاته إلّا سعة المحلّ فتأذّى بضيق المكان مدّة و لكن لمّا وصل إلى الوطن استراح.
و من رجع أوّلا وجد المكان الأوسع و وصل إلى الوطن سالما. فهذا مثال أصناف أهل الدّنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة و نسيانهم موردهم و مصدرهم و غفلتهم عن عاقبة أمورهم، و ما أقبح من يزعم أنّه بصير عاقل أن تغرّه أحجار الأرض و هي الذّهب و الفضّة و هشيم النبت و هي زينة الحياة الدّنيا و شيء منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كلاّ و وبالا عليه و هو في الحال شاغل له بالخوف و الحزن عليه، و هذا هو حال الخلق كلّهم إلّا من عصمه اللّه عزّ و جلّ.
مثال آخر لاغترار الخلق بالدّنيا و ضعف إيمانهم بقول اللّه تعالى في تحذيره إيّاهم غوائل الدّنيا:
روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لأصحابه: «إنّما مثلي و مثلكم و مثل الدّنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتّى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي؟
أنفدوا الزّاد و خسروا الظهر و بقوا بين ظهراني المفازة لا زاد و لا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلّة يقطر رأسه ماء فقالوا هذا قريب عهد بريف و ما جاءكم هذا إلّا من قريب، فلمّا انتهى إليهم قال: يا هؤلاء قالوا: يا هذا، قال:
على م أنتم؟ فقالوا: على ما ترى، قال: أ رأيتم أن هديتكم إلى ماء رواء و رياض خضر ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئا، قال: عهودكم و مواثيقكم باللّه، فأعطوه عهودهم و مواثيقهم باللّه لا يعصونه شيئا، قال: فأوردهم ماء رواء و رياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء اللّه ثمّ قال: يا هؤلاء، قالوا: يا هذا، قال: الرّحيل، قالوا: إلى أين، قال:
المحجة