المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٧
[١] فإذا انسدّ عليه باب كان ينتظر الرّزق منه فلا ينبغي أن يضطرب قلبه لأجله، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أبى اللّه أن يرزق عبده المؤمن إلّا من حيث لا يحتسب» [٢].
و قال بعضهم: اتّق اللّه فما رأيت تقيّا محتاجا. أي لا يترك التقيّ فاقدا لضرورته بل يلقي اللّه في قلوب المؤمنين أن يوصلوا إليه رزقه.
قال الفضيل: قلت لأعرابيّ: من أين معاشك؟ قال: نذر الحاجّ، قلت:
فإذا صدروا؟ فبكى و قال: لو لم نعش إلّا من حيث ندري لم نعش.
و قال أبو حازم: وجدت الدّنيا شيئين شيئا منهما هو لي فإن أعجّله قبل أجله لا يصل و لو طلبته بقوّة السماوات و الأرض، و شيئا منهما هو لغيري فذلك لم أنله فيما مضى و لا أرجوه فيما بقي، يمنع الّذي لغيري منّي كما يمنع الّذي لي من غيري، ففي أيّ هذين أفنى عمري؟ فهذا دواء من جهة المعرفة لا بدّ منه لدفع تخويف الشيطان و إنذاره بالفقر.
الثالث أن يعرف ما في القناعة من عزّ الاستغناء و ما في الطمع و الحرص من الذّل فإذا تحقّق له ذلك انبعث رغبته إلى القناعة لأنّه في الحرص لا يخلو من تعب و في الطمع لا يخلو من ذلّ و ليس في القناعة إلّا ألم الصبر عن الشهوات و الفضول و هذا ألم لا يطّلع عليه أحد إلّا اللّه و فيه ثواب الآخرة و ذلك ممّا يضاف إليه نظر الناس و فيه الوبال و الإثم ثمّ يفوته عزّ النفس و القدرة على متابعة الحقّ فإنّ من كثر طمعه و حرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحقّ و يلزمه المداهنة و ذلك يهلك دينه و من لا يؤثر عزّ النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «عزّ المؤمن استغناؤه عن الناس»[١].
[١] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٤ ص ٣٢٥ و صحح اسناده و أبو الشيخ في كتاب الثواب و أبو نعيم في الحلية كلهم من حديث سهل بن سعد أن جبرئيل قاله للنبي (ص) في أثناء حديث و فيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة و كلاهما مختلف فيه و جعله القضاعي في مسند الشهاب من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله كما المغني.
[١] الطلاق: ٣.
[٢] أخرجه ابن حبان في الضعفاء و قال المقدسي: رواه أحمد بن داود و فيه عبد الغفار كان يضع الحديث راجع تذكرة الموضوعات ص ٨.
المحجة