المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٦
المذمّة و لا تسرّه المدحة. و هذا قد يظنّه بعض العبّاد بنفسه و يكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه بعلاماته، و علاماته أن لا يجد في نفسه استثقالا للذّامّ عند تطويله الجلوس عنده أكثر ممّا يجده في المادح و أن لا يجد في نفسه زيادة هزّة [١] و نشاط في قضاء حوائج المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذّام، و أن لا يكون انقطاع الذّامّ عن مجلسه أهون عليه من انقطاع المادح، و أن لا يكون موت المادح المطري له أشدّ نكاية في قلبه من موت الذّامّ، و أن لا يكون غمّه بمصيبة المادح و ما يناله من أعدائه أكثر ممّا يكون بمصيبة الذّامّ، و أن لا تكون زلّة المادح أخفّ على قلبه و في عينه من زلّة الذّامّ. فمهما خفّ الذّامّ على قلبه كما خفّ المادح و استويا من كلّ وجه فقد نال هذه الرّتبة و ما أبعد ذلك و ما أشدّه على القلوب، و أكثر العباد فرحهم بمدح الناس لهم مستبطن في قلوبهم و هم لا يشعرون حيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات.
و ربّما يشعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذّامّ، و الشيطان يحسّن له ذلك و يقول له: الذّامّ قد عصى اللّه بمذمّتك و المادح قد أطاع اللّه بمدحك، فكيف تسوّي بينهما فإنّما استثقالك للذّامّ من الدّين المحض، و هذا محض التلبيس، فإنّ العابد لو تفكّر علم أنّ في الناس من ارتكب من كبائر المعاصي أكثر ممّا ارتكبه الذّامّ في مذمّته، ثمّ إنّه لا يستثقلهم و لا ينفر عنهم، و يعلم أنّ المادح الّذي مدحه لا يخلو عن مذمّة غيره و لا يجد في نفسه نفرة عنه بمذمّة غيره كما يجد لمذمّة نفسه، و المذمّة من حيث أنّها معصية لا تختلف بأن يكون هو المذموم أو غيره، فإذا العابد المغرور لنفسه يغضب و لهواه يتبغّض، ثمّ الشيطان يخيّل إليه أنّه من الدّين حتّى يغترّه على اللّه بهواه فيزيده على ذلك بعدا من اللّه، و من لم يطّلع على مكايد الشيطان و آفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضايع يفوت عليه الدّنيا و يخسره في الآخرة و فيهم قال اللّه تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» [٢].
[١] الهزة- بكسر الهاء-: النشاط و الارتياح.
[٢] الكهف: ١٠٣.
المحجة