المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٧
عليكم إنّ الّذي لا بأس به عندكم كان كالموبقات [١] عندهم و كانوا للزّلّة الصغيرة أشدّ استعظاما منكم لكبائر المعاصي فليت أطيب مالك و أحلّه مثل شبهات أموالهم، و ليتك أشفقت من سيّئاتك كما أشفقوا على حسناتهم أن لا تقبل، ليت صومك على مثل إفطارهم، و ليت اجتهادك في العبادة على مثل فتورهم و نومهم، و ليت جميع حسناتك مثل واحدة من حسناتهم، و قد بلغني عن بعض الصحابة أنّه قال: غنيمة الصدّيقين ما فاتهم من الدّنيا، و نهمتهم [٢] ما زوي عنهم منها، فمن لم يكن كذلك فليس معهم في الدّنيا و لا معهم في الآخرة، فسبحان اللّه كم بين الفريقين من التفاوت، فريق خيار الصحابة في العلوّ عند اللّه و فريق أمثالكم في السفالة أو يعفو اللّه الكريم بفضله، و بعد فإن زعمت أنّك متأسّ بالصحابة بجمع المال للتعفّف و البذل في سبيل اللّه فتدبّر أمرك ويحك هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم أو تحسب أنّك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا، لقد بلغني أنّ بعض الصحابة قال: كنّا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام، أ فتطمع من نفسك في مثل هذا الاحتياط لا و ربّ الكعبة ما أحسبك كذلك ويحك كن على يقين أنّ جمع المال لأعمال البرّ مكيدة من الشيطان ليوقعك بسبب البرّ في اكتساب الشبهات الممزوجة بالسحت و الحرام، و قد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من اجترأ على الشبهات يوشك أن يقع في الحرام»[١]أيّها المغرور أما علمت أنّ خوفك من اقتحام الشبهات أعلى و أفضل و أعظم لقدرك عند اللّه من اكتساب الشبهات و بذلها في سبيل اللّه و سبيل البرّ، بلغنا ذلك عن بعض أهل العلم قال: لأن تدع درهما واحدا مخافة أن لا يكون حلالا خير لك من أن تتصدّق بألف دينار من شبهة لا تدري أ يحلّ لك أم لا، فإن زعمت أنّك أتقى و أورع من أن تتلبّس بالشبهات و إنّما تجمع المال بزعمك من
[١] أخرجه البخاري ج ٣ ص ٧٠ في حديث هكذا: «و من اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان. و المعاصي حمى اللّه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه». و أخرجه مسلم ج ٥ ص ٥٠ هكذا «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه».
[١] أي المهلكات.
[٢] أي فرط شهوتهم.
المحجة