المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٩
الصفات و ماتت مثل البخل فإنّه يقتضي إمساك المال فإذا منع مقتضاه و بذل المال مع الجهد مرّة بعد أخرى ماتت صفة البخل و صار صفة البذل طبعا و سقط التعب فيه، فإذن علاج البخل بعلم و عمل، العلم يرجع إلى معرفة آفة البخل و فائدة الجود، و العمل يرجع إلى البذل على سبيل التكلّف و لكن قد يقوى البخل بحيث يعمي و يصم فيمنع تحقّق المعرفة بآفته و إذا لم يتحقّق المعرفة لم يتحرّك الرّغبة فلم يتيسّر العمل فتبقى العلّة مزمنة كالمرض الّذي يمنع معرفة الدّواء و إمكان استعماله فإنّه لا حيلة فيه إلّا الصبر إلى الموت، و من عادة بعض شيوخ الصوفيّة في معالجة علّة البخل في المريدين أن يمنعهم من الاختصاص بزواياهم فكان إذا توهّم في مريد فرحه بزاويته و ما فيها نقله إلى زاوية غيره و نقل زاوية غيره إليه و أخرجه عن جميع ما ملكه، و إذا رآه يلتفت إلى ثوب جديد يلبسه أو سجّادة يفرح بها يأمره بتسليمها إلى غيره و يلبسه ثوبا خليقا لا يميل إليه قلبه، فهذا و نحوه تتجافى القلوب عن متاع الدّنيا فمن لم يسلك هذا السبيل أنس الدّنيا و أحبّها فإن كان له ألف متاع كان له ألف محبوب، و لذلك إذا سرق كلّ واحد منه ألمت به مصيبة بقدر حبّه له فإذا ماتت نزلت به ألف مصيبة دفعة واحدة لأنّه كان يحبّ الكلّ و قد سلب عنه بل هو في حياته على خطر المصيبة بالفقد و الهلاك.
حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصّع بالجواهر لم ير له نظير ففرح الملك بذلك فرحا شديدا فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى هذا قال: أراه مصيبة أو فقرا، قال: كيف؟ قال: إن كسر صارت مصيبة لا جبر لها، و إن سرق صرت فقيرا إليه و لم تجد مثله و قد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة و الفقر، ثمّ اتّفق أن كسر يوما و عظمت مصيبة الملك فيه فقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا. و هذا شأن جميع أسباب الدّنيا فإنّ الدّنيا عدوّة لأعداء اللّه إذ تسوقهم إلى النار، و عدوّة لأولياء اللّه إذ تغمّهم بالصبر عنها، و عدوّة للَّه إذ تقطع طريقه على عباده، و عدوّة نفسها فإنّها تأكل نفسها، فإنّ المال لا يحفظ إلّا بالخزائن و الحرّاس، و الخزائن و الحرّاس لا يمكن تحصيلها إلّا بالمال و هو بذل الدّراهم
المحجة