المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٥
من بنائها الرّياء و جلب الثناء و حرصهم على بقائها لبقاء أسمائهم بها لا لبقاء الخير.
و الوجه الثاني أنّهم يظنّون بأنفسهم الإخلاص و قصد الخير في الإنفاق على الأبنية، و لو كلّف واحد منهم أن ينفق دينارا و لا يكتب اسمه على الموضع الّذي أنفق عليه لشقّ عليه ذلك و لم تسمح به نفسه، و اللَّه تعالى مطّلع عليه كتب اسمه أو لم يكتب، فلو لا أنّه يريد به وجه الناس لا وجه اللَّه لما افتقر إلى ذلك.
و فرقة أخرى ربّما اكتسبت الأموال من الحلال
و أنفقت على المساجد و هي أيضا مغرورة من وجهين أحدهما الرّياء و طلب الثناء فإنّه ربّما يكون في جواره أو في بلده فقير و صرف المال إليه أهمّ و أفضل من الصرف إلى المساجد و زينتها و إنّما يخفّ عليه الصرف إلى المساجد ليظهر ذلك بين الناس. و الثاني أنّه يصرف إلى زخرفة المسجد و تزيينه بالنقوش الّتي هي منهيّ عنها[١]و شاغلة لقلوب المصلّين و مختطفة أعينهم و المقصود من الصلاة الخشوع و حضور القلب و ذلك يفسد قلوب المصلّين و يحبط ثوابهم بذلك و وبال ذلك كلّه يرجع إليه و هو مع ذلك يغترّ به و يرى أنّه من الخيرات و يعدّ ذلك وسيلة إلى اللَّه تعالى و هو بذلك تعرّض لسخط اللَّه و هو يظنّ أنّه مطيع للَّه و ممتثل لأمره، و قد شوّش قلوب عباد اللَّه بما زخرف من المسجد، و ربّما شوّقهم به إلى زخارف الدّنيا فيشتهون مثل ذلك في بيوتهم، و يشتغلون بطلبه و وبال ذلك كلّه في رقبته إذ المسجد للتواضع و لحضور القلب مع اللَّه تعالى.
قيل: دخل رجلان مسجدا فوقف أحدهما على الباب و قال: مثلي لا يدخل بيت اللَّه، فكتبه الملكان عند اللَّه صدّيقا، فبهذا ينبغي أن يعظم المساجد و هو أن يرى تلويث المسجد بنفسه جناية على المسجد لا أن يرى تلويث المسجد بالحرام أو بزخرف الدّنيا منّة على اللَّه تعالى.
و قال الحواريّون للمسيح عليه السلام: انظر إلى هذا المسجد ما أحسنه
[١] روى الراوندي في لب اللباب كما في مستدرك الوسائل ج ١ ص ٢٢٨ عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله أنه قال: «لا تزخرفوا مساجدكم كما زخرفت اليهود و النصارى بيعهم».
المحجة