المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٠
بمراعاة القلوب و حفظ الجاه و دفع كيد الحسّاد و منع أذى الأعداء اشتغال عن اللّه و تعرّض لمقته في العاجل و الآجل، كلّ ذلك غموم عاجلة مكدّرة للذّة الجاه، فلا يفي في الدّنيا أيضا مرجوها بمخوفها فضلا عمّا يفوت في الآخرة، فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة، و أمّا من نفدت بصيرته و قوي إيمانه لم يلتفت إلى الدّنيا، فهذا هو العلاج من حيث العلم.
و أمّا من حيث العمل
فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتّى يسقط من أعين الخلق و تفارقه لذّة القبول و يأنس بالخمول و يردّ الخلق و يقنع بالقبول من الخالق، و هذا هو منهاج الملامتيّة إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه و هذا غير جائز لمن يقتدى به فإنّه يوهن الدّين في قلوب المسلمين، و أمّا الّذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدّم على محظور لأجل ذلك بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس كما روي أنّ بعض الملوك قصد بعض الزّهاد فلمّا علم بقربه منه استدعى طعاما و بقلا و أخذ يأكل بشره و يعظم اللّقم فلمّا نظر إليه الملك سقط من عينه و انصرف، فقال الزّاهد: الحمد للَّه الّذي صرفك عنّي، و منهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتّى يظنّ به أنّه يشرب الخمر فيسقط من الأعين، و هذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلّا أنّ أرباب الأحوال ربّما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم، ثمّ يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير كما فعل بعضهم فإنّه عرف بالزّهد و أقبل الناس عليه فدخل حمّاما و لبس ثوب غيره و خرج و وقف في الطريق حتّى عرفوه فأخذوه و ضربوه و استردّوا منه الثياب و قالوا: إنّه طرّار و هجروه، و أقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس و الهجرة إلى موضع الخمول، فإنّ المعتزل في بيته في البلدة الّتي هو بها مشهور لا يخلو عن حبّ المنزلة الّتي ترسّخ له في القلوب بسبب عزلته فربما يظنّ أنّه ليس محبّا لذلك الجاه و هو مغرور، و إنّما سكنت نفسه لأنّها قد ظفرت بمقصودها و لو تغيّر الناس عمّا اعتقدوا فيه و ذمّوه أو نسبوه إلى أمر غير لايق به جزعت نفسه
المحجة