المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٤
ملك من الملوك طول النّهار كما جرت عادة الخدم و إنّما وقوفك لملاحظتك جارية من جواري الملك أو غلاما من غلمانه فإنّ هذا استهزاء بالملك إذا لم تقصد التقرّب إلى الملك بخدمته بل قصدت به عبدا من عبيده فأيّ استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة اللّه مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرّا و لا نفعا و هل ذلك إلّا أنّه ظنّ أنّ ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من اللّه و أنّه أولى بالتقرّب إليه من اللّه إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته و أيّ استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى؟ فهذا من كبائر المهلكات و لهذا سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «الشّرك الأصغر» [١] نعم بعض درجات الرّياء أشدّ من بعض كما سيأتي بيانه في درجات الرّياء و لا يخلو شيء منه عن أثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة و لو لم يكن في الرّياء إلّا أنّه يسجد و يركع لغير اللّه لكان فيه كفاية فإنّه إذا لم يقصد التقرّب إلى اللّه فقد قصد غير اللّه و لعمري لو قصد غير اللّه بالسجود لكفر كفرا جليّا إلّا أنّ الرّياء هو الكفر الخفيّ لأنّ المرائي عظم في قلبه النّاس فاقتضت تلك العظمة أن يسجد و يركع لهم فكان الناس هم المعظّمون بالسجود من وجه و مهما زال قصد تعظيم اللّه بالسجود و بقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من الشّرك إلّا أنّه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم للَّه فعن هذا كان شركا خفيّا لا شركا جليّا و ذلك غاية الجهل و لا يقدم عليه إلّا من خدعه الشّيطان و أوهم عنده أنّ العباد يملكون من نفعه و ضرّه و رزقه و أجله و مصالح حاله و مآله أكثر ممّا يملكه اللّه تعالى فلذلك عدل بوجهه عن اللّه تعالى إليهم فأقبل بقلبه عليهم يستميل بذلك قلوبهم، و لو وكله اللّه إليهم في الدّنيا و الآخرة لكان ذلك أقلّ مكافأة له على صنيعه فإنّ العباد كلّهم عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لأنفسهم ضرّا و لا نفعا فكيف لغيرهم، هذا في الدّنيا فكيف في يوم لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا بل يقول الأنبياء فيه:
نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة و نيل القرب عند اللّه ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدّنيا من النّاس فلا ينبغي أن نشكّ في أنّ المرائي بطاعة اللّه في
[١] أخرجه أحمد في مسنده ج ٥ ص ٤٢٥ من حديث محمود بن لبيد و قد تقدم.
المحجة