المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٨
لأنّه لا يفهم و لا يحفظ، فالصبيّ الّذي يلعب و الغافل و المشغول بالنسخ عن السماع ليس يفهم و لا يحفظ، و هل للسماع مستند إلّا قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «نضّر اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها» [١] و كيف يؤدّي كما سمعها من لا يدري ما سمعه فهذا هو أفحش أنواع الغرور و قد بلي به أهل الزّمان و لو احتاط أهل الزّمان لم يجدوا شيوخا إلّا الّذين سمعوه في الصبا على هذا الوجه مع الغفلة إلّا أنّ للمحدّثين في ذلك جاها و قبولا، فخاف المساكين أن يشترطوا ذلك فيقلّ من يجتمع لذلك في حلقهم فينقص جاههم و تقلّ أيضا أحاديثهم الّتي قد سمعوها بهذا الشرط بل ربّما عدموا ذلك و افتضحوا فاصطلحوا على أنّه ليس يشترك إلّا أن يقرع سمعه دمدمة و إن كان لا يدري ما يجري و صحّة السماع لا تعرف من قول المحدّثين لأنّه ليس من علمهم بل من علم علماء أصول الفقه و ما ذكرناه مقطوع به في قوانين أصول الفقه، فهذا غرور هؤلاء و لو سمعوا على الشرط لكانوا مغرورين في اقتصارهم على النقل و في إفناء أعمارهم في جمع الرّوايات و الأسانيد و إعراضهم عن مهمّات الدّين و معرفة معاني الأخبار، بل الّذي يقصد من الحديث سلوك طريق اللَّه تعالى ربّما يكفيه الحديث الواحد عمرا كما روي عن بعض الشيوخ أنّه حضر مجلس السماع فكان أوّل حديث روي قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [٢] فقام و قال: يكفيني هذا حتّى أفرغ منه ثمّ أسمع غيره فهكذا كان سماع الأكياس الّذين يحذرون الغرور.
و فرقة أخرى اشتغلوا بعلم النحو
و اللّغة و الشعر و غريب اللّغة و اغترّوا به و زعموا أنّهم قد غفر لهم و أنّهم من علماء الامّة إذ قوام الدّين بالكتاب و السنّة و قوام الكتاب و السنّة بعلم اللّغة و النحو فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق النحو و في صناعة الشعر و في غريب اللّغة و مثالهم كمن يفني جميع العمر في تعلّم الخطّ و تصحيح
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٣٦ من حديث أنس و تحت رقم ٢٣٠ من حديث زيد بن حارث و غيره.
[٢] أخرجه الترمذي و ابن مالك و قد تقدم.
المحجة