المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦١
أيضا نوع من الجهل خفي كما سنذكره.
السبب السادس الكبر بالعلم
و هذا أعظم الآفات و أغلب الأدواء و أبعدها عن قبول العلاج إلّا بشدّة شديدة و جهد جهيد، و ذلك لأنّ قدر العلم عظيم عند اللَّه، عظيم عند الناس، و هو أعظم من قدر المال و الجمال و غيرهما بل لا قدر لهما أصلا إلّا إذا كان معهما عمل و علم، و لذلك قيل: للعلم طغيان كطغيان الماء، و قيل:
العالم إذا زلّ زلّ بزلّته عالم كثير. فيعجز العالم عن أن لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل لكثرة ما نطق الشرع بفضائل العلم، و لن يقدر العالم على دفع الكبر إلّا بمعرفة أمرين أحدهما أن يعلم أنّ حجّة اللَّه على أهل العلم آكد و أنّه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم و أنّه عصى اللَّه عن معرفة و علم فجنايته أفحش إذ لم يقض حقّ نعمة اللَّه عليه في العلم و لذلك قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم «يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحا فيطيف أهل النّار فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير و لا آتيه و أنهى عن الشرّ و آتيه [١]».
و قد مثّل اللَّه سبحانه و تعالى من يعلم و لا يعمل بالحمار و الكلب فقال: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً» [٢] أراد به علماء اليهود. و قال تعالى في بلعم بن باعورا: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [٣] أي سواء آتيته الحكمة أو لم اوته فلا يدع شهوته، فيكفي العالم هذا الخطر فأيّ عالم لم يتبع شهوته و أيّ عالم لم يأمر بالخير الّذي لا يأتيه، فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكّر في الخطر العظيم الّذي هو بصدده فإنّ خطره أعظم
[١] أخرجه البخاري و مسلم و أحمد من حديث أسامة بن زيد بلفظ «يجاء بالرجل و تقدم في العلم.
[٢] الجمعة: ٥.
[٣] الأعراف: ١٧٤ و ١٧٥.
المحجة