المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٩
فجئت أتقاضاه فلم يقض لي، فقلت: إنّي آخذه في الآخرة، فقال لي: إذا صرت في الآخرة فإنّ لي هناك ولدا و مالا فأقضيك منه، فأنزل اللَّه تعالى أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً- الآيات- [١] و قال اللَّه تعالى: وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي- الآية-» [٢].
و هذا كلّه من الغرور باللَّه و سببه قياس من أقيسة إبليس و ذلك لأنّهم ينظرون مرّة إلى نعم اللَّه عليهم في الدّنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة، و ينظرون إلى تأخير اللَّه العذاب عنهم، فيقيسون عليه عذاب الآخرة كما قال تعالى: وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [٣]
- فردا» و في اعلام الورى ص ٥٧ عن خباب قال: أتيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و هو متوسد برده و هو في ظل الكعبة و قد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو اللَّه، فقعد و هو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، و يوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، و ليتمن اللَّه هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف الا اللَّه أو الذئب على غنمه. رواه البخاري [ج ٥ ص ٥٦] و قال ابن أبي الحديد:
خباب من فقراء المسلمين و خيارهم و كان في الجاهلية قينا يعمل السيوف و هو قديم الإسلام انتهى. و قد كان خباب في أول أمره غنيا كما قال الطبرسي- ره- فلما أسلم أخذت كفار قريش أمواله ففر بدينه و هاجر إلى المدينة فصار من فقراء المسلمين راجع سفينة البحار ج ١ ص ٣٧٢. روى أن أمير المؤمنين عليه السّلام لما أقبل من صفين دخل الكوفة فجاز دور بني عوف فرأى قبورا سبعة أو ثمانية فقال: ما هذه القبور؟ فقيل: ان خباب بن الارت توفى بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر و كان الناس يدفنون في دورهم و أفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه، فقال: «رحم اللَّه خبابا فقد أسلم طائعا و عاش مجاهدا و ابتلى في جسده أحوالا و لن يضيع اللَّه أجر من أحسن عملا»، ثم جاء حتى وقف عليهم و قال: «السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة و المحال المقفرة من المؤمنين- الى آخر ما قال عليه السّلام-».
[١] مريم: ٨٠، و الخبر رواه البخاري ج ٦ ص ١١٩.
[٢] فصلت: ٥٠.
[٣] المجادلة: ٩.
المحجة