المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٦
و يرى نفسه أنّه زاهد في الدّنيا و هو مغرور و مع ذلك فربّما لا يخلو عن توقير الأغنياء و تقديمهم على الفقراء و الميل إلى المريدين له و المثنين عليه و النفرة عن المائلين إلى غيره من الزّهاد و كلّ ذلك خدعة و غرور من الشيطان و في العباد من يشدّد على نفسه في أعمال الجوارح حتّى يصلّي في اليوم و اللّيلة مثلا ألف ركعة و يختم القرآن فيه و هو مع ذلك لا يخطر له مراعاة القلب و تفقّده و تطهيره من الرّياء و الكبر و العجب و سائر المهلكات، فلا يدري أنّ ذلك مهلك و إن علم ذلك فلا يظنّ بنفسه ذلك و إن ظنّ بنفسه ذلك فربّما توهّم أنّه مغفور له بعمله الظاهر، و أنّه غير مؤاخذ بأحوال القلب، و إن توهّم فيظنّ أنّ العبادات الظاهرة تترجّح بها كفّة حسناته و هيهات و ذرّة من ذي تقوى و خلق واحد من خلق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح. ثمّ لا يخلو هذا المغرور مع سوء خلقه مع الناس و خشونته و تلوّث باطنه بالرّياء و حبّ الثناء فإذا قيل له: أنت من أوتاد الأرض و أولياء اللَّه و أحبّائه فرح فرحا شديدا و صدّق به و زاده ذلك غرورا و ظنّ انّ تزكية الناس له دليل على كونه مرضيّا عند اللَّه و لا يدري أنّ ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه.
و فرقة أخرى حرصت على النوافل
و لم يعظم اعتدادها بالفرائض ترى أحدهم يفرح بصلاة اللّيل و سائر الرّواتب و لا يجد للفريضة لذّة و لا يشتدّ حرصه على المبادرة بها في أوّل الوقت و ينسى قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فيما يرويه عن ربّه عزّ و جلّ «ما تقرّب المتقرّبون إليّ بمثل أداء ما افترضت عليهم» [١] و ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعيّن على الإنسان فرضان أحدهما يفوت و الآخر لا يفوت، أو نفلان أحدهما يضيق وقته و الآخر يتّسع وقته فإن لم يحفظ الترتيب فيه فهو مغرور، و نظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فإنّ المعصية ظاهرة و الطاعة ظاهرة، و إنّما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلّها على النوافل، و تقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات، و تقديم فرض كفاية لا قائم به على ما قام به غيره، و تقديم الأهمّ من فروض الأعيان على ما دونه، و تقديم ما يفوت على ما لا يفوت،
[١] أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
المحجة