المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣١
و تألّمت و ربّما توصّلت إلى الاعتذار عن ذلك و إماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، و ربّما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب و تلبيس و لا يبالي به و به يتبيّن بعد أنّه محبّ للجاه و المنزلة، و من أحبّ الجاه و المنزلة فهو كمن أحبّ المال بل هو شرّ منه فإنّ فتنة الجاه أعظم، و لا يمكنه أن لا يحبّ المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى و قطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلّهم عنده كالأراذل، فلا يبالي أ كانت له منزلة في قلوبهم أو لم تكن كما لا يبالي ذلك في قلوب الّذين هم منه في أقصى الشرق لأنّه لا يراهم و لا يطمع فيهم، و لا يقطع الطمع عن الناس إلّا بالقناعة، فمن قنع استغنى عن الناس، و إذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس و لم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن و لا يتمّ ترك الجاه إلّا بالقناعة و قطع الطمع. و يستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذمّ الجاه و مدح الخمول و الذّل مثل قولهم: «المؤمن لا يخلو من ذلّة أو علّة أو قلّة».
و ينظر في أحوال السلف و إيثارهم الذّل على العزّ و رغبتهم في ثواب الآخرة.
(بيان وجه العلاج لحب المدح و كراهة الذم)
اعلم أنّ أكثر الخلق إنّما هلكوا بخوف مذمّة الناس و حبّ مدحهم فصارت حركاتهم كلّها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح و خوفا من الذمّ، و ذلك من المهلكات فيجب معالجته و طريقة ملاحظة الأسباب الّتي لأجلها يحبّ المدح و يكره الذمّ.
أمّا السبب الأوّل: فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح
فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك و تقول لنفسك: هذه الصفة الّتي يمدحك بها أنت متّصف بها أم لا؟ فإن كنت متّصفا بها فهي إمّا صفة تستحقّ بها المدح كالعلم و إمّا صفة لا تستحقّ بها المدح كالثروة و الجاه و الأعراض الدّنيويّة، فإن كان من الأعراض الدّنيويّة فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الّذي يصير على القرب هشيما تذروه الرّياح، و هذا من قلّة العقل، بل العاقل يقول:
أشدّ الغمّ عندي في سرور
تيقّن عنه صاحبه ارتحالا
المحجة