المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٦
«أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها» و أنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدّنيا فيا لها حسرة و مصيبة نعم و عساك تجمع المال للتكاثر و العلوّ و الفخر و الزّينة في الدّنيا و قد بلغنا أنّ من طلب الدّنيا للتكاثر بها أو للتفاخر لقي اللّه و هو عليه غضبان، و أنت غير مكترث بما حلّ بك من غضب اللّه حين أردت التكاثر و العلوّ، نعم و عساك المكث عندك في الدّنيا أحبّ إليك من النقلة إلى جوار اللّه و أنت تكره لقاء اللّه و اللّه للقائك أكره و أنت في غفلة، و عساك تأسف على ما فاتك من عرض الدّنيا و قد بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة سنة» [١] و أنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب اللّه نعم و لعلّك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك و تفرح لإقبال الدّنيا عليك و ترتاح لذلك سرورا بها و قد بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من أحبّ الدّنيا و سرّ بها ذهب خوف الآخرة من قلبه» [٢] و بلغنا أنّ بعض أهل العلم قال: إنّك محاسب على الحزن على ما فاتك و محاسب بفرحك في الدّنيا إذا قدرت عليها و أنت تفرح بدنياك و قد سلبت الخوف من اللّه تعالى، و عساك تعني بامور دنياك أضعاف ما تعني بامور آخرتك، و عساك أنّ مصيبتك في معاصيك في انتقاص دينك أهون من مصيبتك في انتقاص دنياك، نعم و خوفك من ذهاب مالك أكثر من خوفك من الذّنوب، و عساك تبذل للناس ما جمعت من الأوساخ كلّها للعلوّ و الرّفعة في الدّنيا، و عساك ترضى المخلوقين بمساخط اللّه تعالى كيما تكرم و تعظم، ويحك! فكأنّ احتقار اللّه لك في القيامة أهون عليك من احتقار الناس إيّاك، عساك تخفي من المخلوقين مساويك و لا تكثرت باطّلاع اللّه عليك فيها فكأنّ الفضيحة عند اللّه أهون عليك من الفضيحة عند الناس، و كأنّ العبيد أعلى عندك قدرا من اللّه تعالى، اللّه عن جهلك، فكيف تنطق عند ذوي الألباب و هذه المثالب فيك، أفّ لك تتلوّث في الأقذار تحتجّ بمال الأبرار؟ هيهات ما أبعدك عن السلف و اللّه لقد بلغني أنّهم كانوا فيما أحلّ اللّه لهم أزهد منكم فيما حرّم
[١] أخرجه الرازي في مشيخته عن ابن عمرو بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٢] للحارث بن أسد المحاسبي كما ذكره المصنف.
المحجة