المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩١
الأرض و أراد به وجه اللّه فهو زاهد و لو أنّه ترك الجميع و لم يرد به وجه اللّه فليس بزاهد» فلتكن جميع حركاتك و سكناتك للَّه مقصورة على العبادة أو على ما يعين على العبادة فإنّ أبعد الحركات عن العبادة الأكل و قضاء الحاجة و هما معينان على العبادة فإذا كان ذلك قصدك بهما صارتا عبادة في حقّك، و كذلك ينبغي أن يكون نيّتك في كلّ ما يحفظك من قميص و إزار و فراش و آنية لأنّ كلّ ذلك ممّا قد يحتاج إليه في الدّين و ما فضل من الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد اللّه فلا يمنعه منه عند حاجته فمن فعل ذلك فهو الّذي أخذ من حيّة المال جوهرها و ترياقها و اتّقى سمّها فلا تضرّه كثرة المال و لكن لا يتأتّى ذلك إلّا لمن رسخت في الدّين قدمه و عظم فيه علمه و العامي إذا تشبّه بالعالم في الاستكثار من المال و زعم أنّه يشبه الأغنياء من الصحابة فشأنه شأن الصبيّ الّذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحيّة و يتصرّف بها ليخرج ترياقها فيقتدي به و هو يظنّ أنّه أخذها مستحسنا صورتها و شكلها و مستلينا جلدها فيأخذها اقتداء به فيقتله في الحال إلّا أنّ قتيل الحيّة يدري أنّه قتيل و قتيل المال قد لا يعرف، و قد شبّهت الدّنيا بالحيّة، و قيل:
هي دنيا كحيّة تنفث السمّ
و إن كانت المجسّة لانت
و كما يستحيل أن يتشبّه الأعمى بالبصير في التخطّي قلل الجبال و أطراف البحار و الطرق المشوكة فمحال أن يشبه العاميّ بالعالم الكامل في تناول المال.
(بيان ذم الغنى و مدح الفقر)
اعلم أنّ النّاس قد اختلفوا في تفضيل الغنيّ الشاكر على الفقير الصابر، و قد أوردنا ذلك في كتاب الفقر و الزّهد و كشفنا عن تحقيق الحقّ فيه و لكنّا في هذا الكتاب ندلّ على أنّ الفقر أفضل و أعلى من الغنى على الجملة من غير التفات إلى تفصيل الأحوال فيه و نقتصر فيه على حكاية فصل ذكره حارث المحاسبيّ- رحمه اللّه- في بعض كتبه في الردّ على بعض العلماء من الأغنياء حيث احتجّ بأغنياء الصحابة و بكثرة مال بعضهم و شبّه نفسه بهم، و المحاسبيّ له قدم في علم المعاملة و له السبق على أكثر الباحثين عن عيوب النفس و آفات الأعمال و أغوار العبادات فكلامه
المحجة