المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٠
و الدّنانير فالمال يأكل نفسه و يضادّ ذاته حتّى يفنى و من عرف آفات المال لم يأنس به و لم يفرح به و لم يأخذ منه إلّا قدر حاجته، و من قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأنّ ما أمسكه لحاجته فليس ببخل و ما لا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله، بل هو كالماء على شطّ دجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة.
(بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله)
اعلم أنّ المال كما وصفناه خير من وجه و شرّ من وجه و مثاله مثال حيّة يأخذها الرّاقي و يستخرج منها الترياق و يأخذها الغافل فيقتله سمّها من حيث لا يدري، و لا يخلو أحد عن سمّ المال إلّا بالمحافظة على خمس وظائف:
الأولى- أن يعرف مقصود المال، و أنّه لما ذا خلق، و أنّه لم يحتج إليه حتّى يكتسب، و لا يحفظ إلّا قدر حاجته، و لا يعطيه من همّته فوق ما يستحقّه.
الثانية- أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض، و ما الغالب عليه الحرام كمال السلاطين، و يجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروّة كالهدايا الّتي فيها شوائب الرّشوة و كالسؤال الّذي فيه الذّلّة و هتك المروّة و ما يجري مجراه.
الثالثة- في المقدار الّذي يكتسبه فلا يستكثر منه و لا يستقلّ بل القدر الواجب و معياره الحاجة و الحاجة ملبس و مسكن و مطعم و لكلّ واحد ثلاث درجات أدنى و أوسط و أعلى و ما دام مائلا إلى جهة جانب القلّة و متقرّبا من حدّ الضرورة كان مخفّا و يجيء في جملة المخفّفين، فإن جاوز ذلك وقع في هاوية لا آخر لعمقها، و قد ذكرنا تفصيل هذه الدّرجات في كتاب الزّهد [١].
الرّابعة- أن يراعي جهة المخرج و يقتصد في الإنفاق غير مبذّر و لا مقترّ كما ذكرناه فيضع ما اكتسبه من حلّه في حقّه و لا يضعه في غير حقّه، فإنّ الإثم في الأخذ من غير حقّه و الوضع في غير حقّه سواء.
الخامسة- أن يصلح نيّته في الأخذ و الترك و الإنفاق و الإمساك فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة، و يترك ما يترك زهدا فيه و استحقارا له و إذا فعل ذلك لم يضرّه وجود المال و لذلك قال عليّ عليه السّلام: «لو أنّ رجلا أخذ جميع ما في
[١] قد يأتي في المجلد السابع إن شاء اللّه.
المحجة