المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩
فأنتم حمقى و إن كنتم تكذّبون به فإنّكم لهلكى.
و قال محمّد بن الحسين: لمّا علم أهل العقل و العلم و المعرفة و الأدب أنّ اللّه عزّ و جلّ قد أهان الدّنيا، و أنّه لم يرضها لأوليائه، و أنّها عنده حقيرة قليلة، و أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد زهد فيها و حذّر أصحابه من فتنتها، و قال: «أكلوا منها قصدا و قدّموا فضلا» أخذوا منها ما يكفي و تركوا ما يلهى، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، و أكلوا من الطعام أدناه ممّا يسدّ الجوعة، نظروا إلى الدّنيا بعين أنّها فانية و إلى الآخرة أنّها باقية، فتزوّدوا من الدّنيا كزاد الرّاكب فخربوا الدّنيا و عمّروا بها الآخرة، و نظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنّهم سينظرون إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنّهم سيرتحلون إليها بأبدانهم، صبروا قليلا و نعّموا طويلا كلّ ذلك بتوفيق اللّه مولاهم الكريم أحبّوا ما أحبّ لهم و كرهوا ما كره لهم.
(بيان صفة الدنيا بالامثلة)
اعلم إنّ الدّنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعدّ بالبقاء ثمّ تخلف في الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرّة و هي سائرة سيرا عنيفا و مرتحلة ارتحالا سريعا، و لكن الناظر إليها قد لا يحسّ بحركتها فيطمئنّ إليها و إنّما يتحسّر عند انقضائها، و مثالها الظلّ فإنّه متحرّك ساكن، متحرّك في الحقيقة ساكن في الظاهر لا تدرك حركتها بالبصر الظّاهر بل بالبصيرة الباطنة، و لمّا ذكرت الدّنيا عند بعضهم أنشد و قال:
أحلام نوم أو كظلّ زائل
إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع
و كان الحسن بن عليّ عليهما السّلام يتمثّل بهذا البيت:
يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها
إنّ اغترارا بظلّ زائل حمق
و كان يروى أنّه له، و يقال: إنّه نزل أعرابيّ بقوم فقدّموا إليه طعاما فأكل ثمّ قام إلى ظلّ خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه و قام و هو يقول:
ألا إنّما الدّنيا كظلّ بنيّة
و لا بدّ يوما أنّ ظلّك زائل
المحجة