المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٨
ففي القناعة الحرمة و العزّ و لذلك قيل: استغن عمّن شئت تكن نظيره، و احتج إلى من شئت تكن أسيره، و أحسن إلى من شئت تكن أميره.
الرّابع أن يكثر تأمّله في تنعّم اليهود و النصارى و أراذل الناس و الحمقاء من الأكراد و الأعراب و من لا دين لهم و لا عقل، ثمّ ينظر إلى أحوال الأنبياء و الأولياء و إلى سمت الصحابة [١] و التابعين و يستمع أحاديثهم و يطالع أحوالهم و يخير عقله بين أن يكون على مشابهة أرذل الخلق أو على الاقتداء بمن هو أعزّ أصناف الخلق عند اللّه حتّى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك و القناعة باليسير فإنّه إن تنعّم في البطن فالحمار أكثر أكلا منه، و إن تنعّم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه، و إن تزيّن في الملبس و الخيل ففي اليهود و النصارى من هو أعلى رتبة منه، و إن قنع بالقليل و رضي به لم يساهمه في رتبته إلّا الأنبياء و الأولياء.
الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرناه من آفات المال و ما فيه من خوف السرقة و النهب و الضياع و ما في خلوّ اليد من الأمن و الفراغ و يتأمّل ما ذكرناه من آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنّة إلى خمسمائة عام فإنّه إذا لم يقنع بما يكفيه التحق بزمرة الأغنياء و أخرج من جريدة الفقراء و يتمّ ذلك بأن ينظر أبدا إلى من هو دونه في الدّنيا لا إلى من هو فوقه فإنّ الشيطان أبدا يصرف نظره في الدّنيا إلى من هو فوقه فيقول: لم تفتر عن الطلب؟ و أرباب الأموال يتنعّمون في المطاعم و الملابس و يصرف نظره في الدّين إلى من هو دونه فيقول: و لم تضيق على نفسك و تخاف اللّه؟ و فلان أعلم منك و هو لا يخاف اللّه و الناس كلّهم مشغولون بالتنعّم فلم تريد أن تتميّز عنهم؟. قال أبو ذرّ: أوصاني خليلي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي» [٢] أي في الدّنيا.
[١] السمت: هيئة أهل الخير.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ج ٥ ص ١٥٥.
المحجة