المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٨
كثيرة و لو تولّاها بنفسه ضاعت أوقاته و تعذّر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر و الذكر الّذي هو أعلى مقامات السالكين، و من لا مال له فيفتقر إلى أن يتولّى بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام و طحنه و كنس البيت حتّى نسخ الكتاب الّذي يحتاج إليه و كلّ ما يتصوّر أن يقوم به غيرك و يحصل به غرضك فأنت متعوب إذا اشتغلت به إذ عليك من العلم و العمل و الفكر و الذّكر ما لا يتصوّر أن يقوم به غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران.
النوع الثالث: ما لا يصرفه إلى إنسان معيّن
و لكن يحصل به خير عامّ كبناء المسجد و القناطير و الرباطات و دار المرضى و نصب الحباب في الطرق و غير ذلك من الأوقاف المرصّدة للخيرات، و هي من الخيرات المؤبّدة الدّارة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية، و ناهيك به خيرا فهذه جملة فوائد المال في الدّين سوى ما يتعلّق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذلّ السؤال و حقارة الفقر و الوصول إلى العزّ و المجد بين الخلق و كثرة الإخوان و الأعوان و الأصدقاء و الوقار و الكرامة في القلوب فكلّ ذلك ممّا يقتضيه المال من الحظوظ الدّنيويّة.
و أما الافات:
فدينيّة و دنيويّة أمّا الدّينيّة فثلاثة:
الأولى أنّه يجرّ إلى المعاصي
فإنّ الشهوات متفاضلة و العجز قد يحول بين المرء و بين المعصية و من العصمة أن لا يقدر، و مهما كان الإنسان آيسا عن نوع من المعصية لم تتحرّك داعيته إليها فإذا استشعر القدرة عليه انبعثت الدّاعية، و المال نوع من القدرة يحرّك داعية المعاصي و ارتكاب الفجور فإن اقتحم ما اشتهاه هلك و إن صبر وقع في شدّة إذ الصبر مع القدرة أشدّ و فتنة السرّاء أعظم من فتنة الضرّاء.
الثانية أنّه يجر إلى التنعّم في المباحات
و هذا أوّل الدّرجات فمتى يقدر صاحب المال على أن يتناول خبز الشعير و يلبس الثوب الخشن و يترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان عليه السّلام في ملكه فأحسن أحواله أن يتنعّم بالدّنيا و يمرّن عليه نفسه، فيصير التنعّم مألوفا عنده و محبوبا لا يصبر عنه و يجرّه البعض منه إلى البعض، و إذا اشتدّ انسه به ربّما لا يقدر على التوصّل إليه بالكسب الحلال
المحجة