المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧
في العبادة فهو كالاستعانة به على الحجّ و الجهاد فإنّه لا يتوصّل إليهما إلّا بالمال و هما من أمّهات القربات، و الفقير محروم عن فضلهما، و أمّا فيما يقوّيه على العبادة فذلك هو المطعم و الملبس و المسكن و المنكح و ضرورات المعيشة، فإنّ هذه الحاجات إذا لم تتيسّر كان القلب منصرفا إلى تدبيرها فلا يتفرّع للدّين و ما لا يتوصّل إلى العبادة إلّا به فهو عبادة فأخذهم الكفاية من الدّنيا لأجل الاستعانة على الدّين من الفوائد الدّينيّة، و لا يدخل في هذا التنعّم و الزّيادة على الحاجة، فإنّ ذلك من حظوظ الدّنيا فقط.
النوع الثاني: ما يصرفه إلى الناس
و هي أربعة أقسام: الصدقة و المروّة و وقاية العرض و أجرة الاستخدام، أمّا الصدقة فلا يخفى ثوابها و أنّها لتطفئ غضب الرّبّ تعالى و قد ذكرنا فضائلها، و أمّا المروّة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء و الأشراف في ضيافة و هديّة و إعانة و ما يجري مجراها، فإنّ هذه لا تسمّى صدقة، بل الصدقة ما يسلّم إلى المحتاج إلّا أنّ هذا أيضا من الفوائد الدّينيّة إذ به يكتسب العبد الإخوان و الأصدقاء و به يكتسب صفة السخاء و يلتحق بزمرة الأسخياء، فلا يوصف بالجود إلّا من يصطنع المعروف و يسلك سبيل الفتوّة و المروّة، و هذا أيضا ممّا يعظم الثواب فيه، فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا و الضيافات و إطعام الطعام من غير اشتراط الفقر و الفاقة في مصارفها، و أمّا وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء و ثلب السّفهاء و قطع ألسنتهم و دفع شرّهم، و هذا أيضا مع تنجّز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدّينيّة أيضا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة»[١]و كيف لا يكون كذلك و فيه منع المغتاب عن معصية الغيبة و احتراز عمّا يثور من كلامه من العداوة الّتي تحمله في المكافأة و الانتقام على مجاوزة حدود الشريعة، و أمّا الاستخدام فهو أنّ الأعمال الّتي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه
[١] أخرجه أبو يعلى من حديث جابر و الدارقطني و الخرائطي و البيهقي في شعب الايمان أيضا في حديث عن جابر بسند حسن كما في المغني و أخرجه الحاكم في المستدرك بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
المحجة