المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٥
الكرام و الأكياس، إذ قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من أكرم الناس و أكيسهم؟ فقال:
«أكثرهم للموت ذكرا و أشدّهم له استعدادا» [١] و هذه السعادات لا تنال إلّا بثلاثة و سائل في الدّنيا و هي الفضائل النفسيّة كالعلم و حسن الخلق، و الفضائل البدنيّة كالصحّة و السلامة، و الفضائل الخارجة عن البدن كالمال و سائر الأسباب و أعلاها النفسيّة ثمّ البدنيّة ثمّ الخارجة، و الخارجة أخسّها، و المال من جملة الخارجات و أدناها الدّراهم و الدّنانير فإنّهما خادمان و لا خادم لهما و يرادان لغيرهما و لا يرادان لذاتهما إذ النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها و أنّها تخدم العلم و المعرفة و مكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها، و البدن يخدم النّفس بواسطة الحواسّ و الأعضاء، و المطاعم و الملابس تخدم البدن.
و قد سبق أنّ المقصود من المطاعم إبقاء البدن و من المناكح إبقاء النسل و من البدن تكميل النفس و تزكيتها و تزيينها بالعلم و الخلق، و من عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال و وجه شرفه و أنّه من حيث هو ضرورة المطاعم و الملابس الّتي هي ضرورة بقاء البدن الّذي هو ضرورة كمال النفس الّذي هو خير، و من عرف فائدة الشيء و غايته و مقصده و استعمله لتلك الغاية ملتفتا إليها غير ناس لها فقد أحسن و انتفع و كان ما يحصل الغرض محمودا في حقّه، فإذن المال آلة و وسيلة إلى مقصود صحيح و يصلح أن يتّخذ آلة و وسيلة إلى مقاصد فاسدة و هي المقاصد الصادّة عن سعادة الآخرة و تسدّ سبيل العلم و العمل، فهو إذا محمود مذموم، محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود و مذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم، فمن أخذ من الدّنيا أكثر ممّا يكفيه فقد أخذ حتفه و هو لا يشعر كما ورد في الخبر، و لمّا كانت الطباع مائلة إلى اتّباع الشهوات القاطعة لسبيل اللّه و كان المال مسهّلا لها و آلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شرّه حتّى قال نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللّهمّ اجعل قوت آل محمّد كفافا» [٢] فلم يطلب من الدّنيا ما لم يتمحّض خيره، و قال: «اللّهمّ
[١] رواه ابن أبي الدنيا في الموت بسند جيد كما في المغني.
[٢] متفق عليه و أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٣٩ من حديث أبي هريرة.
المحجة