المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٤
إنّي وجدت فلا تظنّوا غيره
إنّ التورّع عند هذا الدّرهم
فإذا قدرت عليه ثمّ تركته
فاعلم بأنّ تقاك تقوى المسلم
و قال غيره:
لا يغرّنك من المرء قميص رقعه
أو إزار فوق عظم الساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه أثر قد خلعه
أره الدّرهم فانظر حبّه أو ورعه
(بيان مدح المال و الجمع بينه و بين الذم)
اعلم أنّ اللّه سبحانه قد سمّى المال خيرا في مواضع فقال: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الآية-» [١] و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «نعم المال الصالح للرّجل الصالح» [٢] و كلّ ما جاء في ثواب الصدقة و الحجّ فهو ثناه على المال إذ لا يمكن الوصول إليهما إلّا به و قال تعالى: «وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» [٣] و قال تعالى: ممتنّا على عباده «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً» [٤] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كاد الفقر أن يكون كفرا» [٥] و هو ثناء على المال، و لا تقف على وجه الجمع بين المدح و الذمّ إلّا بأن تعرف حكمة المال و مقصوده و آفاته و غوائله حتّى ينكشف لك أنّه خير من وجه و شرّ من وجه، و أنّه محمود من حيث هو خير و مذموم من حيث هو شرّ فإنّه ليس هو بخير محض و لا هو شرّ محض، بل هو سبب للأمرين جميعا و ما هذا وصفه فيمدح لا محالة تارة و يذمّ أخرى و لكن البصير المميّز يدرك أنّ المحمود منه غير المذموم و بيانه بالاستمداد ممّا ذكرناه في كتاب الشكر من بيان الخيرات و تفصيل درجات النعم، و القدر المقنع فيه هو أنّ مقصد الأكياس و أرباب البصائر سعادة الآخرة الّتي هي النعيم الدّائم و الملك المقيم و القصد إلى هذا دأب
[١] البقرة: ١٨٠.
[٢] قال العراقي: أخرجه أحمد و الطبراني في الكبير و الأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح بلفظ «نعما» و قالا «للمرء».
[٣] الكهف: ٨٢.
[٤] نوح: ١٢.
[٥] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
المحجة