المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤
و كيف يكون بينهم تواصل و قد طحنتهم بكلكله البلى [١] و أكلتهم الجنادل و الثرى [٢] و أصبحوا بعد الحياة أمواتا، و بعد غضارة العيش رفاتا [٣]، فجمع بهم الأحباب، و سكنوا التراب، و ظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى، و الوحدة في دار المثوى، و ارتهنكم ذلك المضجع [٤]، و ضمّكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قضيت الأمور، و بعثرت القبور، و حصّل ما في الصدور، و أوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، و هتكت عنكم الحجب و الأستار، و ظهرت منكم العيوب و الأسرار، هنا لك تجزى كلّ نفس بما كسبت إنّ اللّه يقول: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» و قال تعالى: «وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ» جعلنا اللّه و إيّاكم عاملين بكتابه و متّبعين لأوليائه و أحبّائه حتّى تحلّنا و إيّاكم دار المقامة من فضله إنّه حميد مجيد» [٥].
و قال عليه السّلام أيضا في خطبته: «أوصيكم بتقوى اللّه، و الترك للدّنيا التاركة لكم و إن كنتم لا تحبّون تركها، المبلية لأجسامكم و إن كنتم تريدون تجديدها، فانّما مثلكم و مثلها كمثل سفر سلكوا طريقا فكأنّهم قد قطعوه[١]و أمّوا إلى علم فكأنّهم قد بلغوه، و كم عسى أن يجري المجري حتّى ينتهي إلى الغاية[٢]و ما
[١] السفر- بفتح فسكون-: جماعة المسافرين اى انكم في مسافة العمر كالمسافرين في مسافة الطريق فلا يلبثون أن يأتوا على نهايتها لأنها محدودة.
[٢] «كم عسى» استفهامية للتحقير و إجراء الفرس إرساله و حمله على السير. و «ما عسى» استفهامية في معنى التحقير للبقاء.
[١] الكلكل- كجعفر- صدر البعير، شبه عليه السّلام البلى- بكسر الباء- اى الفناء- بالجمل يرض بصدره ما برك عليه فطحنه.
[٢] الجنادل: الحجارة، و الثرى: التراب.
[٣] الرفاة كل ما تكسر و بلى.
[٤] اى حبستم كما يحبس الرهن في يد المرتهن.
[٥] أورده الشريف الرضي في النهج باختلاف في اللفظ تحت رقم ٢٢٤.
المحجة