المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩
كتاب ذمّ المال
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه مستوجب الحمد برزقه المبسوط، و كاشف الضرّ بعد القنوط، الّذي خلق الخلق، و وسع الرّزق، و أفاض على العالمين أصناف الأموال، و ابتلاهم فيها بتقلّب الأحوال، و ردّدهم فيها بين العسر و اليسر، و الغنى و الفقر، و الطمع و اليأس، و الثروة و الافلاس، و العجز و الاستطاعة، و الحرص و القناعة، و البخل و الجود، و الفرح بالموجود، و الأسف على المفقود، و الإيثار و الإنفاق، و التوسّع و الإملاق، و التّبذير و التقتير، و الرضا بالقليل، و استحقار الكثير، كلّ ذلك ليبلوهم أيّهم أحسن عملا، و ينظر أيّهم آثر الدّنيا على الآخرة بدلا، و ابتغى عن الآخرة عدولا و حولا، و اتّخذ الدّنيا ذخيرة و خولا.
و الصلاة على محمّد الّذي نسخ بملّته مللا، و طوى بشريعته أديانا و نحلا، و على آله و أصحابه الّذين سلكوا سبل ربّهم ذللا و سلّم كثيرا.
أما بعد فإنّ فتن الدّنيا كثيرة الشعب و الأطراف، واسعة الأرجاء و الأكناف، و لكنّ الأموال أعظم فتنها و أطمّ محنها و أعظم فتنة فيها أنّه لا غنى لأحد عنها، ثمّ إذا وجدت فلا سلامة منها، فإن فقد فقد حصل منه الفقر الّذي يكاد أن يكون كفرا، و إن وجد حصل منه الطغيان الّذي لا تكون عاقبة أمره إلّا خسرا، و بالجملة فهي لا تخلو من الفوائد و الآفات، و فوائدها من المنجيات و آفاتها من المهلكات، و تمييز خيرها عن شرّها من المعوصات الّتي لا يقوى عليها إلّا ذوو البصائر في الدّين من العلماء الرّاسخين دون المترسّمين المغترّين، و شرح ذلك مهمّ على الانفراد فإنّ ما ذكرناه في كتاب ذمّ الدّنيا لم يكن نظرا في المال خاصّة بل في الدّنيا عامّة إذا الدّنيا تتناول
المحجة