المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨
فتركوا السعي و العبادة و زعموا أنّه ارتفع محلّهم في معرفة اللّه سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف و إنّما التكليف على عوام الخلق، و وراء هذا مذاهب باطلة و ضلالة هائلة و خيالات فاسدة يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيّفا و سبعين فرقة و إنّما الناجي منها فرقة واحدة و هي السالكة ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه و هو أن لا يترك الدّنيا بالكلّية و لا يقمع الشهوات بالكلّية أمّا الدّنيا فيؤخذ منها قدر الزّاد، و أمّا الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع و العقل، فلا يتّبع كلّ شهوة و لا يترك كلّ شهوة بل يتّبع العدل و لا يترك كلّ شيء من الدّنيا و لا يطلب كلّ شيء من الدّنيا، بل يعلم مقصود كلّ ما يخلق من الدّنيا و يحفظه على حدّ مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، و من المسكن ما يحفظ به من اللّصوص و الحرّ و البرد، و من الكسوة كذلك حتّى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على اللّه بكنه همّه و اشتغل بالذكر و الفكر طول العمر و بقي ملازما لسياسة الشهوات و مراقبا لها حتّى لا يجاوز حدود الورع و التقوى و لا يعلم تفصيل ذلك إلّا بالاقتداء بالفرقة النّاجية.
(١) أقول: و قد عرفت معنى الفرقة الناجية في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات.
قال: [١] و قد كانوا على النهج القصد و على السّبيل الّذي فصّلناه من قبل فإنّهم ما كانوا يأخذون الدّنيا للدّنيا بل للدّين، و ما كانوا يترهّبون و يهجرون الدّنيا بالكلّية، و ما كان لهم في الأمور تفريط و لا إفراط بل كانوا أمرهم بين ذلك قواما و ذلك هو العدل و الوسط بين الطرفين و هو أحبّ الأمور إلى اللّه كما سبق ذكره في مواضع و اللّه المستعان لا ربّ سواه و صلّى اللّه على محمّد و آله أجمعين.
(٢) هذا آخر كتاب ذمّ الدّنيا من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء و يتلوه إن شاء اللّه كتاب ذمّ المال و الحمد للَّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا و صلّى اللّه على محمّد و آله.
[١] يعنى أبا حامد.
المحجة