المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٦
فإن قلت: فلو لم يعجب بنفسه إذ علم أنّ ذلك من اللَّه تعالى لا منه و إنّ مثله لا يقوى على دفع الشيطان عنه إلّا بتوفيق اللَّه و معونته و من عرف ضعف نفسه و عجزه عن أقلّ القليل فإذا قدر على مثل هذا الأمر العظيم علم أنّه لم يقو عليه بنفسه بل باللَّه فما الّذي يخاف عليه بعد نفي العجب؟.
فأقول: يخاف عليه الغرور بفضل اللَّه و الثقة بكرمه و الأمن من مكره حتّى يظنّ أنّه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل و لا يخاف من الفترة و الانقلاب، فيكون حاله الاتّكال على فضل اللَّه فقطّ دون أن يقارنه الخوف من مكره، و من أمن مكر اللَّه فهو خاسر جدّا، بل سبيله أن يكون مشاهدا لجملة ذلك من فضل اللَّه، ثمّ خائفا على نفسه أن يكون قد سدّت عنه صفة من صفات قلبه من حبّ الدّنيا و رئاء و سوء خلق و التفات إلى عزّ و هو غافل عنه و يكون خائفا أن يسلب حاله في كلّ طرفة عين غير امن من مكر اللَّه و لا غافل عن خطر الخاتمة، و هذا خطر لا محيص عنه و خوف لا نجاة منه إلّا بعد مجاوزة الصّراط، و لذلك لمّا ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع و كان قد بقي له نفس فقال له: أفلتّ منّي يا فلان فقال لا بعد و لذلك قيل:
النّاس كلّهم هلكى إلّا العالمون، و العالمون كلّهم هلكى إلّا العاملون، و العاملون كلّهم هلكى إلّا المخلصون، و المخلصون على خطر عظيم، فإذن المغرور هالك و المخلص الفارّ من الغرور على خطر، فلذلك لا يفارق الخوف و الحذر قلوب الأولياء أبدا، نسأل اللَّه تعالى حسن الخاتمة فإنّ الأمور بخواتيمها.
(١) أقول: و لنختم الكتاب بكلام الصادق عليه السّلام على ما روي عنه في كتاب مصباح الشريعة [١] قال عليه الصلاة و السلام: «المغرور في الدّنيا مسكين و في الآخرة مغبون لأنّه باع الأفضل بالأدنى و لا تعجب من نفسك حيث ربّما اغتررت بمالك و صحّة جسمك أن لعلّك تبقى، و ربّما اغتررت بطول عمرك و أولادك و أصحابك لعلّك تنجو بهم. و ربّما اغتررت بجمالك و منيتك و إصابتك مأمولك و هواك، فظننت أنّك صادق و مصيب، و ربّما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة و
[١] الباب السادس و الثلاثين.
المحجة