المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٤
قد وقعوا في بئر و تغطّى رأس البئر بحجر كبير فعجزوا عن الرّقي من البئر بسببه فرقّ قلبه لإخوانه فجاء يرفع الحجر من رأس البئر و شقّ عليه فجاءه من أعانه على ذلك حتّى تيسّر عليه أو كفاه ذلك و نحّاه بنفسه فيعظم بذلك فرحه لا محالة إذ غرضه خلاص إخوانه من البئر فإن كان غرض الناصح خلاص إخوانه المسلمين من النّار فإذا ظهر من أعانه أو كفاه فرح بذلك و لم يثقل عليه أ رأيت لو اهتدوا جميعهم بأنفسهم لما كان ينبغي أن يثقل عليه ذلك إن كان غرضه هدايتهم فإذا اهتدوا بغيره فلم يثقل عليه، و مهما وجد ذلك في نفسه دعاه الشيطان إلى جميع كبائر القلوب و فواحش الجوارح و أهلكه، فنعوذ باللَّه من زيغ القلوب بعد الهدى و من اعوجاج النفس بعد الاستواء.
فإن قلت: فمتى يصحّ له أن يشتغل بنصح الناس؟ فأقول: إذا لم يكن له قصد سوى هدايتهم للَّه تعالى و كان يودّ لو وجد من يعينه أو لو اهتدوا بأنفسهم و انقطع بالكلّية طمعه عن ثنائهم و عن أموالهم، فاستوى عنده حمدهم و ذمّهم، فلم يبال بذمّهم إذا كان اللَّه يحمده و لم يفرح بحمدهم إذا لم يقترن به حمد اللَّه تعالى، و نظر إليهم كما ينظر إلى السادات و إلى البهائم، أمّا إلى السادات فمن حيث إنّه لا يتكبّر عليهم و يرى كلّهم خيرا من نفسه لجهله بالخاتمة، و أمّا إلى البهائم فمن حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم، فإنّه لا يبالي كيف تراه البهائم، فلا يتزيّن لها و لا يتصنّع، بل راعي الماشية إنّما غرضه رعاية الماشية و دفع الذئب عنها دون نظر الماشية إليه بعين الحمد و الثناء، فما لم ير سائر الناس كالماشية الّتي لا يلتفت إلى نظرها و لا يبالي بها لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم نعم ربّما يصلحهم و لكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالشمع الّذي يضيء لغيره و يحترق في نفسه.
فإن قلت: فلو ترك الوعّاظ الوعظ إلّا عند نيل هذه الدّرجة لخلت الدّنيا من الوعظ و خربت القلوب.
فأقول: و قد قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم «حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة» [١] و لو
[١] أخرجه البيهقي في الشعب عن الحسن مرسلا كما في الجامع الصغير.
المحجة