المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٠
و يعين الضّعيف ما تعلم منزلته عند اللَّه تعالى يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم:
«إنّما يجزى على قدر عقله» [١].
و قد اثنى على رجل عند رسول صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فقالوا خيرا، فقال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «كيف عقله؟ فقالوا: يا رسول اللَّه: نقول من عبادته و فضله و خلقه فقال: كيف عقله فإنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر و إنّما يقرّب الناس يوم القيامة على قدر عقولهم» [٢].
و قال أبو الدّرداء: «كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «إذا بلغه عن رجل شدّة عبادة سأل عن عقله فإذا قالوا: حسن قال: أرجوه و إن قالوا غير ذلك قال: لن يبلغ ذلك»[١]. قال: و ذكر له شدّة عبادة رجل فقال: كيف عقله؟ قالوا: ليس بشيء، قال: لن يبلغ صاحبكم حيث تظنّون» [٢].
(١) أقول: و قد أسلفنا أخبارا من طريق أهل البيت عليهم السّلام في ذلك في كتاب العقل من ربع العبادات.
قال: و الذّكاء و شدّة غريزة العقل نعمة من اللَّه تعالى في أصل الفطرة فإن فاتت ببلادة و حماقة فلا تدارك لها.
الثاني المعرفة [٣]، و أعني بها أن يعرف أربعة أمور: يعرف نفسه، و يعرف ربّه، و يعرف الدّنيا، و يعرف الآخرة، فيعرف نفسه بالعبوديّة و الذّل و بكونه غريبا في هذا العالم و أجنبيّا من هذه الشّهوات البهيميّة و هي مضرّة له، و إنّما الموافق له طبعا هو معرفة اللَّه و النظر إلى وجهه فقطّ. و لا يتصوّر أن يعرف هذا ما لم يعرف نفسه و لم يعرف ربّه و ليستعن على هذا بما ذكرناه [٤] في كتاب المحبّة
[١] روى الطبراني في مسنده الكبير عن أبي الدرداء قال: «كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إذا بلغه عن رجل شدة عبادة سأل عن عقله فان قالوا حسن قال أرجو له، و ان قالوا غير ذلك قال: لا يبلغ صاحبكم حيث تظنون» و فيه مروان بن سالم متروك كما في مجمع الزوائد ج ٨ ص ٢٨.
[٢] روى الطبراني في مسنده الكبير عن أبي الدرداء قال: «كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إذا بلغه عن رجل شدة عبادة سأل عن عقله فان قالوا حسن قال أرجو له، و ان قالوا غير ذلك قال: لا يبلغ صاحبكم حيث تظنون» و فيه مروان بن سالم متروك كما في مجمع الزوائد ج ٨ ص ٢٨.
[١] أخرجه الخطيب في التأريخ و في أسماء من روى عن مالك من حديث ابن عمر و ضعفه و قال العراقي: لم أره من حديث أبي الدرداء.
[٢] تقدم في أبواب العلم عن داود بن المحبر. و في الكافي عن الصادق عليه السّلام مثله.
[٣] كذا.
[٤] كذا و لم يجئ بعد.
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ٣٥١
و في كتاب شرح عجائب القلب و كتاب التفكّر و كتاب الشكر إذ فيها إشارات إلى وصف النفس و وصف جلال اللَّه تعالى فيحصل به التنبّه على الجملة و كمال المعرفة وراءه فإنّ هذا من علوم المكاشفة و لم نطنب في هذا الكتاب إلّا في علوم المعاملة، و أمّا معرفة الدّنيا و الآخرة فيستعين عليه بما ذكرناه في كتاب ذمّ الدّنيا و في كتاب ذكر الموت ليتبيّن له أن لا نسبة للدّنيا إلى الآخرة. فإذا عرف نفسه و ربّه و عرف الدّنيا و الآخرة ثار من قلبه بمعرفة اللَّه تعالى حبّ اللَّه و بمعرفة الآخرة شدّة الرّغبة فيها و بمعرفة الدّنيا الرّغبة عنها فيصير أهمّ أموره ما يوصله إلى اللَّه تعالى و ينفعه في الآخرة، و إذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحّت نيّته في الأمور كلّها، فإن أكل مثلا أو اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة و صحّت نيّته و اندفع عنه كلّ غرور محذور منشؤه تجاذب الأغراض و النزوع إلى الدّنيا و الجاه و المال، فإنّ ذلك هو المفسد للنيّة و ما دامت الدّنيا أحبّ إليه من الآخرة، و هوى نفسه أحبّ إليه من رضا اللَّه فلا يمكنه الخلاص من الغرور، فإذا غلب حبّ اللَّه على قلبه بمعرفته باللَّه و بنفسه الصادرة عن كمال عقله، فيحتاج إلى المعنى الثالث و هو العلم أعني العلم بكيفيّة سلوك الطريق إلى اللَّه و العلم بما يقرّ به من اللَّه تعالى و ما يبعّده عنه. و العلم بآفات الطريق و عقباته و غوائله و جميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدّين فيعرف من ربع العبادات شروطها فيراعيها و آفاتها فيتّقيها، و من ربع العادات أسرار المعايش و ما هو مضطرّ إليه فيأخذه بإذن الشرع و ما هو مستغن عنه فيعرض عنه، و من ربع المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق اللَّه، فإنّ المانع من اللَّه الصفات المذمومة في الخلق فيعلم المذموم و يعلم طريق علاجه، و يعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة الّتي لا بدّ و أن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر عن الأنواع الّتي أشرنا إليها من الغرور، و أصل ذلك كلّه أن يغلب حبّ اللَّه على القلب و يسقط حبّ الدّنيا منه حتّى تقوى به الإرادة و تصحّ فيه النيّة و لا يحصل ذلك إلّا بالمعرفة الّتي ذكرناها.
المحجة البيضاء جلد٦ ٣٥٢ فصل فإن قلت: فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص عنه أحد ..... ص : ٣٤٨
المحجة