المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٩
الهندسة و هو مستقرّ على الأرض و كلّ ذلك باستنباط الحيل و إعداد الآلات فسخّر الفرس للركوب و الكلب للصيد و سخّر البازي لاقتناص الطيور، و هيّأ السبكة لاصطياد السمك إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدميّ، كلّ ذلك لأنّه أهمّه أمر دنياه و ذلك معين له على دنياه. فلو أهمّه أمر آخرته فليس عليه إلّا شغل واحد و هو تقويم قلبه فعجز عن تقويم قلبه و تخاذل و قال: هذا محال و من ذا الّذي يقدر عليه، و ليس ذلك بمحال و لو أصبح و همّه هذا الهمّ الواحد احتال له، بل هو كما يقال: «لو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل» فهذا شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون و من اتّبعهم بإحسان فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته و قويت همّته بل لا يحتاج إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل الدّنيا و نظم أسبابها.
فإن قلت: قد قربت الأمر فيه بعد أن أكثرت في ذكر مداخل الغرور فبم ينجو العبد من الغرور؟.
فاعلم أنّه ينجو عنه بثلاثة أمور: بالعقل و العلم و المعرفة فهذه ثلاثة أمور لا بدّ منها أمّا العقل فأعني به الفطرة الغريزيّة و النور الأصلي الّذي به يدرك الإنسان حقائق الأشياء فالفطنة و الكيس فطرة و الحمق و البلادة فطرة و البليد لا يقدر على التحفّظ عن الغرور فصفاء العقل و ذكاء الفهم لا بدّ منه في أصل الفطرة، و هذا إذا لم يفطر عليه الإنسان فاكتسابه غير ممكن نعم إذا حصل أصله أمكن تقويته بالممارسة فأساس السعادات كلّها العقل و الكياسة.
قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «تبارك اللَّه الّذي قسّم العقل بين عباده أشتاتا إنّ الرّجلين ليستوي عملهما و برّهما و صومهما و صلاتهما و لكنّهما يتفاوتان في العقل كالذّرة في جنب أحد و ما قسّم اللَّه لخلقه حظا هو أفضل من العقل و اليقين» [١].
و عن أبي الدرداء أنّه قيل: يا رسول اللَّه أ رأيت الرّجل يصوم النهار و يقوم اللّيل و يحجّ و يعتمر و يتصدّق و يغزو في سبيل اللَّه و يعود المرضى و يشيّع الجنائز
[١] قال العراقي: أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية طاوس مرسلا و في أوله قصة و اسناده ضعيف و رواه بنحوه من حديث أبي حميد و هو ضعيف أيضا.
المحجة