المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٣
يراه في الصغر و يعلم أنّها ليست آلهة و هي كثيرة و ليست بواحدة، و الجهّال يعلمون أنّ الكوكب ليس بإله فمثل إبراهيم لا يغرّه الكوكب الّذي لا يغرّ السوادية و لكن المراد به أنّه نور من الأنوار الّتي هي من حجب اللَّه عزّ و جلّ و هي على طريق السالك و لا يتصوّر الوصول إلى اللَّه إلّا بالوصول إلى هذه الحجب و هي حجب من النور بعضها أعظم من بعض و أصغر النيرات الكوكب فاستعير له لفظه، و أعظمها الشمس و بينهما رتبة القمر فلم يزل إبراهيم عليه السّلام لما رأى ملكوت السماوات حيث قال عزّ و جلّ: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [١] يصل إلى نور بعد نور و يتخيّل إليه في أوّل ما كان يلقاه أنّه قد وصل ثمّ كان يكشف له أنّ وراءه أمر فيترقّى إليه و يقول: قد وصلت فيكشف له ما وراءه حتّى وصل إلى الحجاب الأقرب الّذي لا وصول إلّا بعده، فقال: هذا أكبر فلمّا ظهر له أنّه مع عظمه غير خال عن الهوى في حضيض النقص و الانحطاط عن ذروة الكمال قال: «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ... إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» و سالك هذا الطريق قد يغترّ في الوقوف على بعض هذه الحجب، و قد يغترّ بالحجاب الأوّل و أوّل الحجاب بين اللَّه و بين العبد هو نفسه فإنّه أيضا أمر ربّاني و هو نور من أنوار اللَّه أعني سرّ القلب الّذي تتجلّى فيه حقيقة الحقّ كلّه حتّى أنّه ليتّسع لجملة العالم و يحيط به و تتجلّى فيه صورة الكلّ، و عند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما إذ يظهر فيه الوجود كلّه على ما هو عليه، و هو في أوّل الأمر محجوب بمشكاة هي كالساتر له فإذا تجلّى نوره و انكشف فيه جمال القلب بعد إشراق نور اللَّه تعالى عليه ربّما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه فربّما يسبق لسانه في هذه الدّهشة فيقول: أنا الحقّ فإن لم يتّضح له ما وراء ذلك اغترّ به و وقف عليه و هلك، و كان قد اغترّ بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهيّة و لم يصل بعد إلى القمر فضلا عن الشمس فهو مغرور و هذا محلّ الالتباس إذ المتجلّى يلتبس بالمتجلّى فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة، فيظنّ أنّه لون المرآة و كما
[١] الانعام: ٧٥.
المحجة