المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٢
يعمر مساجد اللَّه فيطينها بالعذرة و يزعم أنّ قصده العمارة.
و فرقة أخرى منهم اشتغلوا بالمجاهدة و تهذيب الأخلاق
و تطهير النفس من عيوبها و صاروا يتعمّقون فيها فاتّخذوا البحث عن عيوب النفس و معرفة خدعها علما و حرفة فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس باستنباط دقيق الكلام في آفاتها فيقولون: هذا في النفس عيب و الغفلة عن كونه عيبا عيب و الالتفات إلى كونه عيبا عيب و يشغفون فيه بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها و من جعل طول عمره في التفتيش عن العيوب و تحرير علم علاجها كان كمن اشتغل بالتفتيش عن عوائق الحجّ و آفاته و لم يسلك طريق الحجّ فذلك لا يغنيه.
و فرقة أخرى جاوزوا هذه الرّتبة و ابتدأوا سلوك الطريق
و انفتحت لهم أبواب المعرفة فكلّما تشمّموا من مبادي المعرفة رائحة تعجّبوا منها و فرحوا بها، و أعجبتهم غرابتها فتقيّدت قلوبهم بالالتفات إليها و التفكّر فيها، و في كيفيّة انفتاح بابها عليهم و انسداده على غيرهم، و كلّ ذلك غرور لأنّ عجائب طريق اللَّه ليس له نهاية، فلو وقف مع كلّ أعجوبة و تقيّد بها قصرت خطاه و حرم عن الوصول إلى المقصد، و كان مثاله مثال من قصد ملكا فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار و أنوار لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها فوقف ينظر إليها و يتعجّب حتّى فاته الوقت الّذي يمكن فيه لقاء الملك.
و فرقة أخرى جاوزوا هؤلاء و لم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار
في الطريق و إلى ما يتيسّر لهم من العطايا الجزيلة و لم يعرّجوا على الفرح بها و الالتفات إليها جادّين في السير حتّى قاربوا فواصلوا إلى حدّ القربة إلى اللَّه تعالى و ظنّوا أنّهم قد وصلوا إلى اللَّه فوقفوا و غلطوا فإنّ للَّه سبعين حجابا من نور لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلّا و يظنّ أنّه قد وصل. و إليه الإشارة بقول إبراهيم صلوات اللَّه عليه إذ قال اللَّه تعالى إخبارا عنه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي [١] و ليس المعنىّ به هذه الأجسام المضيئة فإنّه كان
[١] الانعام: ٧٦.
المحجة