المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٠
إنّهم بالحديث عن اللَّه محجوبون، و يدّعي لنفسه أنّه الواصل إلى الحقّ و أنّه من المقرّبين، و هو عند اللَّه من الفجّار المنافقين، و عند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، و لم يحكم قطّ علما و لم يهذّب خلقا، و لم يرتّب عملا، و لم يراقب قلبا سوى اتّباع الهوى و تلقّف الهذيان و حفظه.
و فرقة أخرى وقعت في الإباحة
و طووا بساط الشرع و رفضوا الأحكام و سوّوا بين الحلال و الحرام، فبعضهم يزعم أنّ اللَّه مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي، و بعضهم يقول: قد كلّفوا الناس تطهير القلوب عن الشهوات و عن حبّ الدّنيا و ذلك محال، فقد كلّفوا ما لا يمكن و إنّما يغترّ به من لم يجرّب و أمّا نحن فقد جرّبنا و أدركنا أنّ ذلك محال. و لا يعلم الأحمق أنّ الناس لم يكلّفوا قلع الشهوة و الغضب من أصلهما بل كلّفوا تأديبهما بحيث ينقاد كلّ واحد منهما لحكم العقل و الشرع، و بعضهم يقول: الأعمال بالجوارح لا وزن لها و إنّما النظر إلى القلوب و قلوبنا والهة إلى حبّ اللَّه، و واصلة إلى معرفة اللَّه، و إنّما نخوض في الدّنيا بأبداننا و قلوبنا عاكفة في الحضرة الرّبوبيّة فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب، و يزعمون أنّهم قد ترقّوا عن رتبة العوام و استغنوا عن تهذيب النّفس بالأعمال البدنيّة و إنّ الشهوات لا تصدّهم عن طريق اللَّه تعالى لقوّتهم فيها و يرفعون درجتهم على درجة الأنبياء عليهم السّلام إذ كان يصدّهم عن طريق اللَّه تعالى خطيئة واحدة حتّى كانوا يبكون عليها و ينوحون سنين متوالية.
و أصناف غرور أهل الإباحة من المتشبّهين بالصوفيّة لا تحصى، و كلّ ذلك بناء على أغاليط و وساوس يخدعهم الشيطان بها لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم، و من غير اقتداء بشيخ متقن في الدّين و العلم الصالح للاقتداء و إحصاء أصنافهم يطول.
و فرقة أخرى جاوزت حدّ هؤلاء
و أحسنت الأعمال و طلّقت الحلال و اشتغلت بتفقّد القلب و صارت أحدهم تدّعي المقامات من الزّهد و التوكّل و الرّضا و الحبّ من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات و شروطها و علاماتها و آفاتها، فمنهم من يدّعي الوجد و الحبّ للَّه تعالى و يزعم أنّه واله باللَّه، و لعلّه قد تخيّل في اللَّه تعالى خيالات هي بدعة أو كفر فيدّعي حبّ اللَّه قبل معرفته، ثمّ إنّه لا يخلو عن مقارفة
المحجة